139

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

بعد أن فقدت بغداد سلطانها وخربها التتار، ولم تعد قصبة الدولة الإسلامية فأشرأبت الأعناق إلى مصر، بعد ذلك النصر المبين.

لقد أعاد الظاهر بيبرس الذي أتم الانتصار على التتار الخلافة الإسلامية لبني العباس بعد أن استمر ذلك المنصب الجليل شاغراً ثلاث سنوات بعد قتل الخليفة العباسي ببغداد عند غزو التتار لها، وتخريبهم إياها.

لقد وجد اثنين من أولاد أحد الخلفاء العباسيين: أحدهما المستنصر بالله أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر، والثاني أخوه الحاكم بأمر الله.

فبويع بالخلافة المستنصر في رجب سنة ٦٥٩ على ملأ من كبار العلماء منهم عالم العصر العز بن عبد السلام. وكبار رجال الدولة؛ وأولي الحل والعقد، وكان يوماً مشهوداً كما قال أبو الفداء.

ولم يتول المستنصر الخلافة ليكون رمزاً لمعناها من غير أن تكون له حقيقتها وقوتها، بل تولاها ليستعيد سلطانها الأول، ومن أجل ذلك اختاره الظاهر وأعانه، فقد جهزه بجيش قوي، وعتاد وعدة؛ وأنفق عليه وعلى جيشه نحواً من ألف ألف (١) دينار؛ ولما استوى الأمر للمستنصر ذهب على رأس ذلك الجيش ليخرج التتار من بغداد، ويعيدها قصبة للدولة كما كانت؛ ويعيد إليها ماضيها المجيد؛ وقد فتح البلدان في الموصل والعراق؛ ولكن تفرق عنه جنده من بعد، وخرجت عليه كتيبة من التتار فقتلته وبعض من كان معه، واستطاع أخوه الحاكم أن ينجو بنفسه؛ فعاد إلى مصر وبايعه الظاهر.

١٤٧- استفاد بلا شك الإسلام من إقامة خليفة يكون عنواناً للوحدة الإسلامية؛ ورمزاً لجماعتها الموحدة، وإذا كانت الخلافة قد عادت شكلاً لا قوة له، فقد حاول المستنصر أن يعيد لها معناها؛ وإن أخفق فإن بقاء الشكل قد يكون إيذاناً بعودة الحقيقة، أو بوجوب عودتها وقتاً من الأوقات.

(١) تاريخ ابن كثير الجزء الثالث عشر ص ٣٢٣.

138