137

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

ثم نقل ابن كثير عن ذيل المرآة ما نصه: «إنهم دخلوا الجامع بخمر، وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيراً من المساجد وغيرها؛ ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذه الحال إلى متسلمها إبل سيان، فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (١).

١٤٣- هذا بلاء عظيم، ولكنه في دمشق لم يدم طويلاً؛ فقد جاءت الجيوش المصرية في آخر رمضان من هذه السنة نفسها بقيادة ملكها المظفر قطز، فقد بلغه أنهم قاصدوه، فبادرهم قبل أن يبادروه، وتغداهم قبل أن يتعشوه، فالتقى الجيش المصري في عين جالوت بالجيش التتري، فانهزم التتار لأول مرة، وتبعتهم الجيوش المصرية تذيقهم بعض ما أذاقوا الآمنين، فقتلوهم وشردوهم وصاروا يقتلون ويأسرون؛ حتى ابذعروا في البلاد نافرين لا جامعة تجمعهم؛ وكان الأسرى عدداً عظيماً لا يحصى، وكانت لهم معاملة خاصة سنشير إليها في بحثنا.

ولم يكتف المصريون بإجلائهم عن دمشق، أجلوهم بقيادة الظاهر بيبرس بعد قطز عن المدن السورية، والثغور، وكانت هذه أول مرة تنكسر فيها تلك الصخرة القوية التي جاءت من الصين هاوية على رؤوس الناس وخاصة المسلمين ولا يعلم إلا الله أين كانت تقف، لو لم يقفها المصريون في عين جالوت؛ ومن المؤكد أنها كانت قاصدة أوربا التي كانت ترتعد فرائص أهلها عند ذكر مجيئهم ولذلك يقول المؤرخون إن مصر عندما حطمت تلك الصخرة لم تنقذ الإسلام وحده، بل أنقذت المسيحية أيضاً، بل أنقذت الحضارة من أن يقضي عليها أولئك الوحوش.

وفي الحق إن الإسلام قد استطاع أن يصل إلى قلوب هؤلاء المغول، فقد كان الملوك من بعد هولاكو مسلمين وإن لم يذق التتار بشاشة الإسلام إلا بعد

(١) البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٣ ص ٣٢٠.

136