Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
كيف يخون أهل الذمة العهد، ويؤلبون أعداء الأديان، وأعداء بني الإنسان على من عاهدوهم، وحموهم وآووهم، ولكن هي الحفيظة الدينية تدفع إلى الأذى من غير نظر لعهد ولا لأمانة، ولا لمصلحة اجتماعية أو شخصية.
ومن هذا نفهم كيف كان ابن تيمية الذي رأى بعض أعمال التتر، وسمع عما سبق كتخريب بغداد، يشن الحرب على التتر وعلى الروافض، ويوجب أن يكون للنصارى واليهود شارة خاصة ليعرفوا فيحترس منهم.
١٤٢- خرجت الخلافة من بغداد حائرة، حتى آوتها مصر، وحفظت اسمها، وإن زال معناها، وسنشير إلى ذلك إن شاء الله تعالى، واستمر التتار ينسابون في البلاد الإسلامية، وذهبوا إلى دمشق واستولوا عليها، قاصدين إلى مصر كنانة الله في أرضه، ولكن قصم الله ظهورهم لأول مرة، ولنشر إلى ذلك ففيها عبرة، وفيها تصوير لما أدركه ابن تيمية وعلمه.
لقد دخل التتار حلب بعد بغداد، وذهبوا إلى دمشق فاستولوا عليها في جمادى الأولى سنة ٦٥٨، واستولوا على القلعة بعد مصالحة أحد أمرائهم واسمه إبل سيان فقرب النصارى إليه، وهم تقربوا إلى هولاكو، فذهبت إليه طائفة منهم معها الهدايا والتحف، وجاءوا من عنده ومعهم أمان بفرمان أصدره، وكان ذلك وصلا لما بدءوه من قبل في بغداد، بل في كل مدينة دخلها التتار، ولنترك الكلمة لابن كثير يشرح ما كان منهم، فقد قال: ((دخلوا من باب توما، ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم، ويقولون: ظهر الدين الصحيح. دين المسيح، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أوان فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرا، وقاقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم. فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم، فوقف خطيبهم فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون)).
135