355

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

قرطبي، وبعضهم في سائر الجزيرة العربية ثم اتسع الأمر من بعد ذلك فصار من السند إلى مغارب الأندلس، وسواحل بلاد البربر ومن سواحل اليمن إلى ثغور أرمينية وهكذا، وإنه من الحق علينا أن نقرر أن الشافعي رضي الله عنه أول من نبه إلى ذلك في كتابه جماع العلم (١).

٤٣٠ - وأن ابن حزم لا يكتفي ببيان استحالة الإجماع من غير نص لاستحالة الاجتماع، بل يبين أن الإجماع على غير نص غير ممكن، لأن تفكير الناس في استخراج العلل لا يمكن أن يتفق، لاختلاف مناحي تفكيرهم، ويستعين في بيان ذلك بدراسته النفسية، والاجتماعية، فيقول رضي الله عنه:

((إن اليقين قد صح بأن الناس مختلفون في همهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه، وينفرون عما سواه، متباينون في ذلك تبايناً شديداً، متفاوتاً جداً، فمنهم رقيق القلب يميل إلى الرفق بالناس، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشدد على الناس، ومنهم قوي على العمل مجد يميل إلى العزم والصبر والتفرد، ومنهم ضعيف الطاقة يميل إلى التخفيف، ومنهم جانح إلى لين العيش يميل إلى الترفيه، ومنهم مائل إلى الخشونة مجنح إلى الشدة ومنهم معتدل في كل ذلك يميل إلى التوسط ومنهم شديد الغضب يميل إلى شدة الإنكار، ومنهم حليم يميل إلى الإغضاء، ومن المحال اتفاق هؤلاء كلهم على إيجاب حكم برأيهم أصلاً. وإنما يجمع ذووالطبائع المختلفة على ما استووا فيه من الإدراك بحواسهم وعلموه ببراعة عقولهم فقط، وليست أحكام الشريعة من هذين القسمين، فبطل أن يصح إجماع على غير توقيف، وهذا برهان قاطع ضروري)) (٢).

وبهذا ينتهي ابن حزم إلى أنه لا إجماع من غير نص. وهو منطقي في هذه القضية لأن حقيقة الإجماع في نظره لا يمكن أن يتصورها فقيه من غير نص، بل ما هو أقوى من النص وهو التوقيف والتعليم كما ذكرنا.

(١) راجع الأم = ٧ ص ٢٥٦

(٢) الإحكام ج ٤ ص ١٣٨

355