349

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ثم يقسم الأحكام المأخوذة من هذين المصدرين إلى ثلاثة أقسام : (أولها) ما نقلته الأمة كلها عصرًا بعد عصر كالإيمان والصلوات والصيام والحج، وهذا هو الإجماع فليس شيء من هذا القسم لم يجمع عليه (وثانيها) ما نقل نقلًا متواترًا لكثير من السنن، ولم يصادف إجماعًا كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا بجميع الحاضرين من أصحابه، وكدفعه خيبر إلى اليهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر (وثالثها) ما نقله الثقة عن الثقة ومنه ما أجمع عليه ومنه ما اختلف فيه (١).

وعلى ذلك يكون الإجماع في حقيقته هو فيما نقلته الأمة كلها عصرًا بعد عصر، كالإيمان وأصل الصلوات المفروضة، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، والصيام وشهره ووقته، والحج ووقته وركنه، وهكذا من كل ما علم من الدين بالضرورة:

٤٢٤ - هذا ما يدل عليه أو يفيده كلام ابن حزم في معنى الإجماع، وإن هذا التعريف، أو هذه الحقيقة قد تعرض لها الشافعي، وقالها في كتابه (جماع العلم) فقد أخذ رضي الله عنه يثير عجاجة بحث مع مناظره، حتى ينتهي بأن يبين له تعذر وجود إجماع في عصره، وحتى اضطر مجادله أن يسأله هل من إجماع، فيجيبه الشافعي بقوله: ((نعم بحمد الله كثير في جملة الفرائض التي لا يسع أحدًا جهلها فذلك الإجماع هو الذي لو قلت أجمع الناس لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك ليس هذا بإجماع. فهذا الطريق الذي يصدق من ادعى الإجماع، فيها وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه، ودون الأصول غيرها، فأما ما ادعيت من الإجماع حيث أدركت التفرق في دهرك، وتحكي عن أهل كل قرن ما نظره فلا يجوز أن يكون هذا إجماعًا)) (٢).

(١) راجع في هذا الإحكام = ٤ من ١٤٣.

(٢) كتاب جماع العلم الجزء السابع ص ٢٠.

349