345

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

الحتمي بالفعل أو الكف حتى يقوم دليل من نص أو إجماع على أن اللفظ قد انتقل لغير معنى الطلب الحتمي، فعندئذ يفسر لفظ الطلب على ما يقتضيه النص الآخر.

وإن ابن حزم لا يكتفي من الأخذ في الأمر والنهي بظاهر الصيغة، بل يأخذ أيضًا بظاهر اللفظ الذي صيغ على هذه الصيغة، فلا يفسر الألفاظ إلا بالدلالات اللغوية عليها، فمثلا قوله تعالى: ((وثيابك فطهر)) لا يفسر الثياب إلا بما تدل عليه ولا يفسر الطهارة إلا بالطهارة الحسية. ((ولا يفسر قوله عليه السلام (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) إلا بتفرق الأبدان، وهكذا.

وابن حزم يعقد لذلك فصلًا قائمًا بذاته، ويعنونه: ((حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها)) ويصف في هذا الفصل الذين يخرجون الألفاظ على غير ظواهرها من حجة مسوغة من الألفاظ نفسها بأنهم السوفسطائيون. ويرد قولهم إن الأخذ بظواهر الألفاظ يؤدي إلى الضلال، كما ضل الخوارج بأخذهم بظواهر الألفاظ، يرد ابن حزم ذلك في قوة، ويبين أن الخوارج ما ضلوا لأخذهم بظواهر الألفاظ، إنما ضلوا لأنهم لم يأخذوا بجميع النصوص بل أخذوا ببعضها، وتركوا غيره، ويقول في ذلك رضي الله عنه:

((وإنما قول بكر (١) بأن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر، فقد كذب وأفك وافترى وأثم، ما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به من تعلقهم بآيات ما وتركهم غيرها، تركوا بيان الذي أمره الله عز وجل أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضًا، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوه كله لازمًا وحكمًا واحدًا ومتبعًا كله لاهتدوا)) (٢).

وابن حزم في هذا الجزء من كلامه يقرر الصفة التي اختص

(١) هو بكر البَشْرِي ممن يقولون بأنه يتوقف في الأمر والنهي حتى توجد قرينة مبينة.

(٢) الإحكام = ٣ ص ٤٠.

345