302

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

يوجب الأخذ به. والثالث في أن الرواية حكاية للشرع، والثاني غير ذلك، وكل هذه فروق ظاهرة هي من النزعة الظاهرية البحتة التي لا تتجه إلى العلل والأغراض، بل تتجه فقط إلى ظواهر الألفاظ، ولو نظرنا إلى اللب والمرمى، لوجدنا أن الإيراد وارد، وهو: لماذا يكتفي في الرواية بالواحد من غير يمين، ولا يكتفي بذلك في الشهادة، ولذا كان يتفادى ذلك أبو بكر، ولم يجد فرقاً بين الشهادة والرواية فكان لا يقبل حديثاً إلا إذا رواه اثنان، وكان علي رضي الله عنه يحلف من يروي حديثاً على صدقه في الرواية.

٣٧٦ - وابن حزم يشترط في الراوي الذي تقبل روايته أن يكون عدلاً ثقة في ذات نفسه عرف بالصدق، وأن يكون ضابطاً حافظاً يضبط ما يسمع، وينقله، وأعلى مراتب الثقات من كان فقيهاً، فإذا كان الراوي عادلاً حافظاً لما تفقه به أو ضابطاً بكتابة، وجب قبول روايته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عادل أغافل هو أم حافظ أو ضابط فرض علينا التوقف عن قبول خبره، حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه، ويظهر من عبارات ابن حزم أن الفقه شرط لأعلى الرتب، فهو يقول:

عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طيبة، قبلت الماء فأنبت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب(١) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان(٢) لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مراتب أهل العلم دون أن يشذ منها شيء، فالأرض الطيبة النقية هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفهم للمعاني التي يقتضيها لفظ النص ،

(١) الأجادب الأرض الصلبة التي تمسك الماء، ولا تشربه، وليس فيها نبات ولا عشب لعدم خصوبتها.

(٢) القيعان جمع قاع، وهي الأرض المستوية التي لا تمسك الماء.

302