Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
Your recent searches will show up here
Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
الكذب في الشهادة والرواية فيقرر أنه واضح كوضوح الشمس، ويبين ذلك الفرق من وجوه (أولها) أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وترك أمر المحافظة على الدماء والأعراض والأموال والنزاع حولها إلى الناس يطبقون فيه حكم الله تعالى، ولذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ في الأمور الشرعية التي كان يحكيها عن ربه وكان يتوقع الخطأ أو يخشاه إذا قضى في النزاع بين الناس، فكان يقول: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)) وقال عليه السلام للمتلاعنين ((والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب)) وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأمرنا بقبول الثقة الواحد، فلا مظنة للكذب، ولكن ما ترك للعباد، بين أنه لا سبيل إلى الحق فيه إلا بشهادة اثنين رجلين أو رجل وامرأتين ممن ترضون من الشهداء، فكانت مظنة الكذب في الواحد قريبة.
(الثاني) أن القضاء بشهادة العدول مبني على يقين لا شك فيه بدليل أنه يفسق القاضي الذي لا يقضي بشهادة العدول.
(الثالث) ذكره بقوله: ((إن الله افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وأمرنا الله تعالى بكذا)) لأنه تعالى يقول: ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)) ((وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)) ففرض علينا أن نقول نهانا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمرنا بكذا ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول شهد هذا بحق، ولا حلف هذا الحالف على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقيناً، ولا قال تعالى ما قاله هذا الشاهد. إلخ)).
هذا خلاصة ما ساقه ابن حزم في التفرقة بين الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلها وجوه للتفرقة بين ظاهرها، فالوجه الأول فيه بيان أن الله تكفل بالحق في الدين وتركه للناس في شئونهم، والثاني فيه أن كليهما
(١) المصدر السابق من ١١٣.
301