Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
المتنبه على رد ما اختلف فيه الناس إلى نص حكم القرآن، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الأجادب الممسكة للماء التي يستقى منها الناس فهي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت، أو ضبطته بالكتاب وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها غير مغير، ولم يكن تنبه على معاني ما روت، ولا معرفة بكيفية رد ما اختلف الناس فيه إلى نص القرآن والسنن التي رويت، لكن نفع الله بهم في التبليغ فبلغوه إلى من هو أفهم بذلك فقد أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا إذ يقول: ((فرب مبلغ أوعى من سامع))، وكما روى عنه عليه السلام: ((فرب حامل فقه ليس بفقيه)) فمن لم يحفظ ما سمع ولا ضبطه فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب الممسكة للماء، بل هو محروم معذور أو مسخوط بمنزلة القيعان التي لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء)) (١).
فهذا النص يشير من غير شك إلى أن فقه الراوي شرط كمال لا شرط قبول وأن أساس الرواية الضبط والعدالة، فإن وجدا فقد تحقق شرط القبول، فإن كان مع ذلك فقيهاً بلغ الذروة وكان كالأرض الطيبة النقية، وإن لم يكن فقيهاً وكان عدلاً ضابطاً انطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم، ((فرب مبلغ أوعى من سامع))، وقوله ((فرب حامل فقه ليس بفقيه)).
٣٧٧ - وابن حزم يشترط في قبول الحديث اتصال السند دائماً فلابد أن يروي الحديث عدل عن عدول حتى يصل السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك لا يقبل المرسل، وهو الذي لم يذكر فيه اسم الصحابي الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يقبل حديثاً قد انقطع فيه السند في أي طبقة من طبقاته، فهو يقول في تأييد بعض الأحاديث المتصلة السند بالمرسل: ((إن المرسل في نفسه لا تجب به حجة، فكيف يؤيد غيره ما لا يقوم بنفسه)) (٢) ولا يقبل المرسل أو المنقطع إلا إذا كان قد انعقد الإجماع على مضمونه، مثل الحديث المرسل ((لا وصية لوارث)) فقد تلقاه العلماء بالقبول، فكان ذلك مزكياً لقبوله، ولذا يقول في ذلك ((وقد يرد خبر مرسل إلا أن الإجماع قد صح فيه متيقناً مقبولا جيلاً فجيلا فإن كان هذا فقد علمنا أنه منقول نقل
(١) الإحكام = ١ ص ١٣٩، ١٤٠. (٢) الإحكام = ٢ ص ٣٠٥ .
303