296

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ينظر ابن حزم في التواتر إلى معناه، لا إلى عدده، أيمكن أن يتواطأ المخبرون على الكذب، أم لا يمكن، فإن كان ممكنًا فالخبر غير متواتر، مهما يكن العدد كثيرًا وإن لم يكن في الإمكان تواطؤهم فالخبر متواتر مهما يقل العدد، ولا يتصور تواترًا في أقل من اثنين.

٣٧٠ - ولنترك الكلمة لابن حزم يوضح فكرته بعد أن قربناها بعض التقريب، فهو يقول بعد أن قرر بطلان الأقوال السابقة: "فإن سألنا سائل فقال: ما حد الخبر الذي يوجب الضرر؟ فالجواب وبالله التوفيق أننا نقول: إن الواحد من غير الأنبياء المعصومين بالبراهين عليهم السلام قد يجوز عليه تعمد الكذب: يعلم ذلك بضرورة الحس، وقد يجوز ذلك على جماعة كثيرة أن يتواطأوا على كذبة، إذ اجتمعوا ورغبوا أو رهبوا ولكن ذلك لا يخفى من قبلهم، بل يعلم اتفاقهم على ذلك الكذب غيرهم إذا تفرقوا لابد من ذلك، ولكن إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا ولا كانت لهما رغبة فيما أخبرا به، ولا رهبة منه، ولا يعلم أحدهما بالآخر، فحدث كل واحد منهما مفترقًا عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله وذكر كل واحد منهما مشاهدة، أو لقاء جماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلهما بأنها شاهدت فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه، ويقطع على غيبه وهذا الذي قلناه يعلمه حسًا من تدبره ورعاه فيما يرد كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة، أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة، وغير ذلك، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي لقلة مراعاة ما يمر به، ولو أنك تكلفت إنسانًا واحدًا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه، يعلم ذلك ضرورة المشاهدة، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان، وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا عليه من أوله إلى آخره))(١).

وبهذا تبين أن العبرة في المتواتر هو الاحتياط لمنع التواطؤ على الكذب فإن تأكد لدى السامع ذلك أصبح العلم ضروريًا بالبداهة، وإن منع التواطؤ

(١) الإحكام = ص ١٠٨.

296