295

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسين عدد القسامة؛ وقالت طائفة: لا يقبل إلا من أربعين، لأنه العدد الذي، لما بلغه المسلمون أظهروا الدين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عشرين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من أربعة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من ثلاثة: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أنه قد نزل به جائحة)). وقالت طائفة لا يقبل إلا من اثنين)).

وهكذا يحصي ابن حزم كل الأقوال، ويذكر أدناها عدداً وهو من حد باثنين على الأقل، وأعلاها وهو من جعل حد التواتر أن يذكر الخبر أهل المشرق والمغرب وهذا الإحصاء يدل على اطلاع واسع لابن حزم، وأنه إذا وافق أو خالف فعن علم وبينة.

وإنه بعد ذكر هذه الأقوال ينتهي إلى أنها جميعاً باطلة، لأنه لا دليل عليها، فيقول: ((وهذه كلها أقوال بلا برهان)) ثم يستفيض بعد ذلك في بيان بطلان هذه الأقوال.

٣٦٩ - ولا يهمنا بطلان هذه الأقوال، بمقدار ما يهمنا معرفة رأيه؟ وقد بينه وإنه بلا شك لا يتصور تواتر في أقل من اثنين، لأنه لا بد فيه من العدد. وإن ابن حزم ما دام قد قرر أن اليقين بالتواتر ضروري، وليس بشرعي، فقد قرر في كتابه هذا أن المعلومات الأولى المستقرة في نفس كل إنسان، والتي تعد من علم النفس الإنسانية التي تعلو بها عن الحيوانية أنه لو اتفق اثنان لم يلتقيا قط في خبر من الأخبار كان العلم بصدقه بدهياً، ولا يسع إنسان تكذيبه، وعلى هذا الأمر البديهي في نظره يبنى العلم اليقيني بالتواتر، فهو لا ينظر إلى العدد، لأن عشرة وعشرين قد يجتمعون في مكان واحد، ويلتقون كل يوم، ففي الإمكان أن يعتمدوا الكذب ويتفقوا على كذبة معينة ويجيء الشك في خبرهم من هذه الناحية، ولكن اثنين لم يلتقيا قط ويذكر كل واحد منهما خبراً طويلاً فيذكره الآخر كما هو تماماً من غير تغيير، فإن ذلك يكون من علم النفس البديهي الإذعان له وتصديقه، ولذلك

(١) المصدر السابق.

295