294

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

الضرورة والطبيعة الإنسانية توجب العلم، فالعلم به ضروري من الضروريات، وإلا ذهب العلم بكثير من أنواع المعلومات المقررة التي يصدقها الناس، فالعلم بالبلدان والملوك والعلماء كل هذا طريقه التواتر، ولذا يقول رضي الله عنه :

((إن الضرورة والطبيعة توجبان قوله؛ إذ به عرفنا ما لم نشاهده من البلاد ومن كان قبلنا من الأنبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والوقائع والتواليف، ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يدرك بالحواس الأول، ولزمه ألا يصدق بأنه كان قبله زمان؛ ولا أن أباه وأمه كانا قبله، ولا أنه مولود من امرأة))(١).

وبهذا تبين أنه يرى أن علم التواتر كعلم الحواس، وأن الأخبار المتواترة الإذعان لهما يكون كالإذعان الأمور المحسوسة، والأمور البدهية التي لا يختلف فيها اثنان؛ وأن أكثر المعلومات الضرورية التي تسكن في نفس الإنسان مبناها التواتر كالعلم بأبيه وأمه، والزمان الذي كان قبله؛ وما كان فيه من أشخاص وأشياء وأعمال، لا سبيل إلى علم شيء من ذلك إلا بالتواتر، فمن لم يؤمن بما جاء متواتراً فقد أسقط السبب الأكبر في كثير من معلوماته الأولية، ومعلوماته عن المجتمع الذي يعيش فيه قديمه وحديثه.

وابن حزم إذ يقرر اليقين في العلم الذي يجيء بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يذكر أقوال العلماء في حد التواتر، ثم يبين بطلانها جميعاً بلغته العنيفة، ولننقل ما ذكره من أقوال العلماء ثم لتتعرف رأيه هو في معنى التواتر، فهو يقول في أقوال العلماء:

((قد اختلف الناس في مقدار النقل للخبر الذي ذكرنا (أي الخبر المتواتر) فطائفة قالت: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب، وقالت: لا يقبل إلا من عدد لا يحصيه نحن، وقالت طائفة: لا يقبل من أقل من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدد أهل بدر، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من سبعين ،

(١) المصدر السابق.

294