285

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٣٥٥ - وابن حزم إذ يقرر ذلك، وهو جواز تأخير البيان وجواز تقديمه يعتمد - أولاً - على أنه لا إلزام لله تعالى بشيء، فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عن شيء، والله سبحانه وتعالى يقول عن ذاته العلية ((لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)) فمن ادعى بأنه يلزم اقتران المفسر بما فسره من آي كريمة، فقد ألزم الله سبحانه بذلك، ولا يلزم رب العالمين بأحد من العالمين.

ويعتمد ثانياً على أن الله سبحانه شرع الصلوات مفصلة بمكة، ثم ذكرها مجملة بالمدينة في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) وذكر قصص موسى وغيره من الأنبياء مع أقوالهم مفصلاً في آيات ومجملاً في أخرى، ومفصلاً في بعض أجزائه، ومجملاً في الآخر، وكل ذلك لحكم رآها العليم الحكيم من غير إلزام بشيء.

ويسوق ابن حزم اعتراضات المعترضين، ويرد اعتراضهم، فمثلاً فرض أنهم اعترضوا على حد السرقة المذكور في قوله تعالى: ((والسارق والسارقة)) فإنه لا يمكن أن ينفذ إلا إذا علم النصاب الذي تقطع فيه يد السارق، ومن سمع آية حد الزنى في مثل قوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) فلا يمكن أن ينفذ إلا إذا بين أن ذلك خاص بغير المحصن، ومن سمع آية التحريم بالرضاعة أفيمكن أن ينفذ التحريم من غير أن يبين أن التحريم له عدد معين من الرضعات.

يفرض ابن حزم هذه الاعتراضات، ثم يقول في ردها: ((إننا لم نجد قط تأخير البيان عن وقت وجوب العمل، وأما قبل وجوبه، فليس يلزمه إلا الإقرار في الجملة وأن يقول سمعت وأطعت، ولا مزيد إذا لم تكن مبينة مفهومة، مثل قوله تعالى: ((وآتوا الزكاة)) فهذا ليس عليه فيه إلا الإقرار بتصديق ذلك كما قلنا فقط، إذا لم يأته بيان ما كلف من ذلك، وأما إن كان النص مفهوماً بيناً فعليه العمل به حتى يبلغه نسخه أو تخصيصه ولا بد)).

٣٥٦ - هنا تجد ابن حزم يقسم النصوص المخصصة إلى قسمين:

(أحدهما) نصوص غير بينة ولا يمكن تنفيذها إلا بعد البيان، وهذه يجب تصديقها والإيمان بها، أما العمل فلا يجب حتى يجىء البيان (والقسم

285