284

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ولا حاجة إلى القول في أنه يجوز تأخيرهما عن المبين أم لا يجوز. فإنه لا يتصور تأخيرهما وإن كان ابن حزم يقول غير ذلك في الاستثناء.

أما البيان بالتخصيص المستقل فهو الذي يحتاج إلى نظر؛ لأن بعض العلماء وهم الحنفية قالوا إنه لا يجوز تأخيره، بل يجب أن يكون مقترناً اقتراناً زمنياً بالعام الذي خصصه، لأنه بيان، والبيان يجب أن يقترن بالمبين.

ولو تأخر لكان نسخاً؛ لأن العام إذا نزل من غير ما يخصصه كان الحكم شاملاً لكل أفراده، فإذا جاء المخصص بعد ذلك، فإنه يرفع ذلك، فيكون نسخاً ولا يكون تخصيصاً، إذ يكون رفعاً للحكم عن بعض أفراده، ولكن ابن حزم يعتبر العام الذي يرد تخصيصه من قبيل المجمل، وإنه يجوز تأخير المفصل عن المجمل ولا يتأخر البيان عن وقت العمل مطلقاً. ولنترك الكلمة لابن حزم ليحكي أقوال المختلفين في هذه المسألة:

((اختلفوا في نوع من أنواع البيان، فقالت طائفة إنما يرد المجمل، ثم يرد المفسر. وقال آخرون لا يردان إلا معاً. وقال آخرون جائز ورود المجمل قبل المفسر، والمفسر قبل المجمل، وورودهما معاً، كل ذلك جائز، وبهذا نقول، إلا أنه لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت إيجاب العمل ألبتة، ولا يجوز أن يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم بعد وروده عليه طرفة عين، ولسنا نقول بهذا لأن العقل يمنع من ذلك لكن لأن النص قد ورد بذلك، وإنما منعنا من تأخير البيان عن وقت وجوب العمل، لقول الله تعالى: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) وقد علمنا أنه ليس في وسع أحد أن يعمل بما لا يعرف، وإنما منعنا من تأخير النبي صلى الله عليه وسلم البيان عن ساعة وروده عليه صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، فإن لم تفعل فما بلغت رسالته)) فلو أخر عليه السلام البيان عن ساعة وروده عليه لكان عليه السلام في تلك المدة - وإن قلت - مستحقاً لاسم أنه لم يبلغ ولو أنه لم يبلغ لكان عاصياً، ولا ينسب هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا جاهل، ومن تمادى على نسبة المعصية إليه في طي الشريعة وترك تبليغها فهو كافر بإجماع الأمة))(١).

(١) الإحكام ج ١ ص ٨٤.

284