271

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

إلا بدليله ولذا يقول: «والعامي والعالم في ذلك سواء وعلى كل حظه الذي يقدر عليه من الاجتهاد».

فليس للعامي أن يقلد واحداً من الأئمة الأعلام بعينه، وإنما عليه عندما ينزل به ما يقضي بمعرفة حكمه من الشرع أن يسأل أهل الذكر غير مقيد بواحد ولا يتبع له من غير أن يعرف الدليل الشرعي الذي أخذ منه الحكم، ليكون اتباعه للدليل لا للشخص.

ويستدل على قوله هذا بأن النصوص المذكورة التي ساقها الإثبات أن الواجب هو اتباع الحق لذات الحق واستقاؤه مما أنزل الله تعالى دون سواه من غير توسط أحد من الأولياء - هي نصوص عامة - لا تخص العلماء دون العوام وإن الفرق بين العالم والعامي أن العالم يتعرف الحكم من النصوص بذاته - إن كانت عنده الأدوات الكافية - وإلا لجأ إلى أهل الذكر، أما العامي فيلجأ إلى أهل الذكر دائماً.

ويندد بالذين يقولون: إن العامي يقلد دائماً، فيقول:

«نقول لمن أجاز التقليد للعامي: أخبرنا عمن يقلد، فإن قال عالم مصره قلنا: فإن كان في مصره عالمان مختلفان كيف يصنع أيأخذ أيهما شاء، فهذا دين جديد وحاشا لله أن يكون حكمان مختلفان في مسألة واحدة، حرام وحلال معاً من عند الله (١)، ثم العجب أن يكون فرض العامي الذي مقامه بالأندلس تقليد مالك، وباليمن تقليد الشافعي، وبخراسان تقليد أبي حنيفة وفتاويهم متضادة، أهذا دين الله!! فو الله ما أمرنا الله تعالى بهذا قط، بل الدين واحد، وحكم الله واحد، وحكم الله تعالى قد بين لنا: «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً».

ولكن العامي والأسود المجلوب من غانة ومن هو مثلهم إذا أسلم فقد عرف بلا شك الإسلام الذي دخل فيه، وأنه أقر بالله، أنه لا إله غيره وأن

(١) المراد أن العالمين إن اختلفا فقال أحدهما حلال والآخر حرام، وأن العامي يأخذ أيهما من غير دليل وأن ذلك جائز ديناً فمعنى ذلك أن المسألة يحكم فيها بأنها حلال وحرام معاً. ما دام أحدهما يقول حلال، والآخر يقول حرام.

271