269

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ويستدل لهذه القضية، وهي تحريم التقليد في دين الله سواء أكان متعلقاً بأمر يتصل بالعقيدة أم كان متعلقاً بأمر يتصل بالعمل، يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب ودليل من الإجماع، ومن أقوال أهل العلم:

أما الكتاب فيستدل بقوله تعالى: ((اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون)) وبقوله تعالى: ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا)) وبقوله تعالى مادحاً لقوم لم يقلدوا ((فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)) وبقوله تعالى: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر))(١) .

ففي هذه الآيات يأمرنا سبحانه ألا نتبع إلا ما أنزله إلينا. فلا نتبع الأولياء ومن قلد فقد اتبع الأولياء، وينعى على المشركين ألا يتبعوا الحق، لأنهم يقولون نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، ويمدح الذين يزنون الأقوال ولا يقلدون فيها، بل يتبعون بعد الموازنة أحسنها، وفي آخر هذه الآيات أمرنا بأن نرد عند الاختلاف أمر المختلفين، أو الأقوال المختلفة إلى كتاب الله تعالى ونعرضها عليها فنتبع أقربها إليها.

ثم يقرر أنه قد صح عن الصحابة إجماعهم رضي الله عنهم على منع التقليد فيقول:

(وقد صح إجماع جميع الصحابة رضي الله عنهم أولهم عن آخرهم وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم، أو ممن قبلهم فيأخذه كله).

أي أن الصحابة والتابعين قد أجمعوا على أنه لا يجوز للإنسان أن يجيء إلى عالم فيأخذ كل أقواله، ويقلدها ويتبعه فيما وصل إليه، لا يفرق بين قول وقول أي يتمذهب بمذهب ذلك العالم، ويتبعه فيه ولذلك يشنع على المتبعين للمذاهب بقوله: ((فليعلم من أخذ بجميع قول أبي حنيفة، أو جميع قول مالك،

(١) المصدر السابق.

269