259

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٣٢١ - كانت كتب داوود مملوءة حديثاً، لأن فقهه هو فقه النصوص بشكل عام، وفقه الحديث بشكل خاص، ولكن لم يرو العلماء عنه إلا قليلاً مع عبادته ونسكه وكونه ثقة، والسبب في عدم الرواية عنه أمران:

أحدهما: إنكاره القياس جملة. وبذلك خالف جمهور الفقهاء حتى أئمة السنة مثل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة الفقه والحديث.

ثانيهما: تصريحه بأن القرآن محدث، مع تصريحه بأن لا حرج في أن يمس الجنب والحائض المصحف الشريف، وأن يتلو القرآن مما خالف به جمهور الفقهاء أيضاً، ونادى بذلك في وقت قد قرر علماؤه أن المبتدعة هم الذين يقولون إن القرآن مخلوق، فهم بهذا قد عدوه في ضمن المبتدعة، وإليك ما يدل على أنه قال ذلك القول في بغداد ذاتها، وإن كتم ذلك عن الإمام أحمد، لينال علمه ويتلقى عليه.

فقد جاء في تاريخ بغداد ((حدثني أبو عبد الله الوراق قال: كنت عنده. ((أي داوود) يوماً في دهليزه مع جماعة من الغرباء، فسئل عن القرآن، فقال: القرآن الذي قال الله تعالى ((لا يمسه إلا المطهرون)) وقال ((في كتاب مكنون)) غير مخلوق وأما الذي بين أظهرنا يمسه الحائض والجنب فهو مخلوق))(١).

ويلاحظ أن ابن حزم سوغ أن يمس القرآن الجنب والحائض، ولكنه لم يقل إن القرآن مخلوق، بل قال إنه غير مخلوق قولاً جازماً قاطعاً(٢).

وإن هذا يدل على أن ابن حزم لم تكن منزلته من داوود منزلة التابع من المتبوع بل منزلة المستقل في تفكيره، يتفقان ويختلفان، وإن اتحد المنهاج الينبوع الذي يستقيان منه، ويردان ورده.

٣٢٢ - استقر المذهب الظاهري ما جاء به داوود، وكان له مؤيدون

(١) المصدر السابق. (٢) راجع في ذلك الإحكام ومقدمة المحلى.

259