258

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

عليهم بفضل عبادتهم وورعهم . حتى إن بعضهم ليكون فيه من الغرور أضعاف ما عند الذين يتناولون الدنيا ويجرعون منها . وأن في مظهر التماوت أحياناً ما يخفى وراءه تعالياً وتسامياً . ولم يكن داوود من ذلك الفريق الزاهد المتعالي. حتى ليقول فيه أحد معاصريه: (( رأيت داوود بن علي يصلي فما رأيت مسلماً يشبهه في حسن تواضعه)).

٣٢٠ - درس داوود على المذهب الشافعي. وقرأ كتب الإمام الشافعي. وتخرج على تلاميذه وأصحابه . مع من تلقى عليهم من أهل الحديث . ولكنه لم يلبث إلا قليلا آخذاً بالمنهاج الشافعي . حتى خرج عنه مع تقديره لذلك. الإمام الجليل ، وقال : إن المصادر الشرعية هي النصوص فقط . فلا علم في الإسلام إلا من النص. وأبطل القياس . ولم يأخذ به . ولقد قيل له : ((كيف تبطل القياس وقد أخذ به الشافعي)) فقال: ((أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان فوجدتها تبطل القياس)) وبذلك نراه يبطل القياس. كما أبطل الشافعي الاستحسان . ولذلك اتجه إلى علم السنة فهو البحر الزخار الذي يجد فيه الفقيه مسعفاً. وبذلك أكثر من السنة ، وكانت كتبه مملوءة بها فهي في جملتها فقه مروي. ولذا يقول في كتبه الخطيب البغدادي: ((وفي كتبه حديث كثير ، إلا أن الرواية عنه عزيزة جداً))(١).

وإنه بإجماع العلماء أول من أظهر القول بالظاهر ، ولذا يقول الخطيب البغدادي فيه: (( إنه أول من أظهر انتحال الظاهر . ونفى القياس في الأحكام قولا. واضطر إليه فعلا ، وسماه دليلا))(٢) .

ولسنا هنا في مقام بيان مقدار ما أخذ به من فقه الرأي . ومقدار تسميته، إنما نقول قولا لا شك فيه . وهو أنه لم يعلل النصوص ويعمم حكم النص في كل موضع تحققت فيه العلة . وإن كانت المسائل قد ألجأته إلى الأخذ ببعض الرأي فليس أساسه تحليل النص ، إنما سلك في ذلك مسلكاً آخر هو قريب من النص . وسنعرض لذلك في موضعه .

(١) تاريخ بغداد ج ٨ ص ٣٧٠.

(٢) المصدر السابق ص ٢٧٤ .

258