Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
في استنباطهم على الكتاب والسنة والإجماع والرأي ، ويختلفون في منهاج الرأي ما بين مضيق فيها وموسع، فالشافعي يقصر الرأي على القياس ولا يتجاوزه إلى غيره، وأبو حنيفة يفتح الباب للاستحسان والعرف بجوار القياس، ومالك يفتح الباب مع ذلك للمصالح المرسلة وسد الذرائع، ويفتح بذلك للفقه معيناً لا ينضب، وينهج ابن حنبل في استنباطه منهاجاً قريباً من منهاج مالك ولكنه في عهد قد جمعت فيه السنة ودونت الروايات المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفقهاء الصحابة والتابعين، فكانت المجموعات الفقهية المأثورة مغنية له عن إعمال الرأي في كثير من الأحوال ولكنه مع ذلك فتح الباب واسعاً ولم يغلقه، وكان له اجتهاد بني على الرأي المتسع الرحاب.
هذه مناهج الأئمة الأربعة، أما ابن حزم، فقد اعتمد فقط على الكتاب والسنة والإجماع. بل إنه يصرح بأنه لا يصح لأحد أن يقلد أحداً، ولو كان صحابياً، وصريح ذلك أنه لم يبح تقليد الصحابي، وسننظر في ذلك، ومقدار تمسكه بقوله هذا. أما الأئمة الأربعة، فقد اتفقوا على القول برأي الصحابي، قال ذلك أبو حنيفة ومالك، وكتبه الشافعي في الرسالة، وأخذ به أحمد، وكان ذلك من عمد فقهه التي قام عليها.
٣١٧ - كانت إذن مناهج ابن حزم مخالفة لمناهج الأئمة الأربعة في استنباطهم وقد حمل فقهه اسم الفقه الظاهري، لأنه لم يعتمد إلا على ظاهر الكتاب والسنة. ولم يعتمد على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية معللة، بحيث تعرف علتها، ويقاس عليها غيرها، كما هو الشأن في منهاج الأئمة الأربعة والفقه الذي قام على أصولهم يدرسون النصوص، ويتعرفون الأحكام منها، ولا يكتفون بذلك، بل يتعرفون مع ذلك ما وراء النص من علة للحكم فيطرد الحكم الذي ورد به النص في كل موضع تحققت فيه العلة التي استخرجوها وبذلك تعم العلة، ويحمل على النص ما لم ينص عليه. ويكون القياس الفقهي الذي يقرره الفقهاء الأربعة، ويعتبرونه من الأمور البديهية، لأنه إثبات حكم المثل لمثله، والمساوي لمساويه.
أما ابن حزم فإنه يأخذ الحكم من النص، ولا يعلل النص ولذلك يسمى هذا المنهاج: المنهاج الظاهري أو الفقه الظاهري، ولنتكلم في تاريخه كلمة.
255