Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
للخلافة إما لصغره أو لضعف قواه ، أو لإعلانه الفسق والفساد ، وإن العيش الطرى الذى يعيشه أولئك الملوك الذين كانوا يتسمون بأسماء الخلفاء أو أمراء المؤمنين ظلماً وعدواناً، لم يجعل منهم رجلا قوياً ذا إرادة نافذة ، بل كانت تضعف طبقاتهم جيلا بعد جيل حتى ينحل الأمر ، وينتشر الفساد ، ويستبد بهم العبيد والخدم، ويكون أمر المسلمين إلى الجوارى الحسان، والعبيد والغلمان ، وقد رأى ذلك ابن حزم وعاينه ، واستقراه فى التاريخ ودونه ، وفوق ذلك فإن العهد على ذلك الوضع ليس له أى أساس من الشرع ، ولامن عمل الصحابة الأولين ، وإنما هو بدعة ابتدعها معاوية فى الإسلام.
(الأمر الثانى) الذى أدى إليه ذلك العهد الذى اختاره ابن حزم أن الحكم صار استبدادياً غاشماً، وذهبت الشورى، وتعطل لب الحكم الإسلامى ، وهو الشورى ، كما قال الله تعالى ((وأمرهم شورى بينهم)) ولا أدرى كيف سوغ ابن حزم لنفسه تعطيل ذلك النص.
وإن ذهاب الشورى أضاع أمر المسلمين ، فذهب معنى التعاون الحقيقى الذى دعت إليه الآية التى كرر ابن حزم الاستشهاد بها ، وهى قوله تعالى : (( وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) فإن التعاون فى الحكم ليس فى الطاعة المطلقة كطاعة الجندى فى ميدان الجهاد، وإنما التعاون فى الحكم هو تبادل وجهات النظر ، وذلك بالشورى ، ولذلك أمر بها النبى صلى الله عليه وسلم فيما كان يتولاه من الشئون العامة، فقال تعالى: ((وشاورهم فى الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله)).
٣٠٥ - وإن الوجه الثانى الذى اختاره لم يكن أقل خطراً على الجماعة الإسلامية من سابقه ، بل إنه الفوضى فى ذاته ، كيف يقال إن كل من يدعو لنفسه ممن يستوفى شروط الخلافة - وكل مدع يزعم فى نفسه أنه استوفاها - قد عقدت له الإمامة بهذا الادعاء مادام قد سبق غيره بالادعاء ، ولو بطرفة عين فإنه يكون الإمام دون غيره ، ولو كان غيره أفضل منه ، بل إنه ليزعم أنه إن التف حول الثانى فضلاء الأمة فإنهم آثمون ، ولعله يعتمد على الحديث ((من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه)) ولكن
245