Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
تمام البيعة من الصحابة الذين كانوا مجتمعين وما كان الأمر منهم إلا ترشيحاً.
وإمامة علي رضى الله عنه كانت الدليل على أن البيعة هي الأساس فإنه قد أخذ البيعة من أهل المدينة الذين كانوا يبايعون من قبله، فهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فاكتفى علي ببيعتهم، لأن المدينة كانت إلى ذلك الوقت مقر الصحابة الأولين وهم فضلاء هذه الأمة، وأهل الحل والعقد فيها، ومعاوية ومن معه اعتمدوا على ضرورة بيعة جميع المسلمين، ووجدوا هذا المنفذ الذي ينفذون منه للطعن في إمامة علي حبيب النبي وصفيه المرتضى، وتقول الأقاويل عليه، ثم البغي عليه وهو الإمام العادل.
٣٠٢ - وإذا كانت البيعة أساس الولاية لإمرة المؤمنين بإجماع الصحابة في عهد أبي بكر، ثم في عهد عمر، ثم في عهد عثمان، ثم في عهد علي رضى الله عنه فإن أساس الخلافة الإسلامية هو اختيار فضلاء الأمة، ولذلك نختار ذلك القول الذي يقول إن الإمامة لا تصح إلا باختيار فضلاء الأمة، في كل أقطار البلاد الإسلامية، وقد حكى ابن حزم ذلك القول، فقال: ((ذهب قوم إلى أن الإمامة لا تصح إلا بإجماع فضلاء الأمة في أقطار البلاد)).
وإذا كنا نخالف هذا القول الأخير، فإننا نخالفه مخالفة جزئية، وهو أنه يشترط للإمامة إجماع الفضلاء، وقد يكون في ذلك مشقة، أو هو في ذاته قد يكون متعذراً، ولذا نكتفي بأن الإمامة تنعقد باختيار أكثر الفضلاء وكذلك كانت خلافة أبي بكر رضى الله عنه، فإن خلافته قد انعقدت بمبايعة أكثر فضلاء الصحابة، فالمهاجرون جميعاً بايعوه، ولكن امتنع سعد بن عبادة عن مبايعته، وما كان سعد إلا من فضلاء هذه الأمة الذين آووا ونصروا، وكذلك انعقدت إمامة عمر رضى الله عنه من غير مبايعته، وقد كان أكثر فضلاء الأمة هم الذين بايعوا علياً رضى الله عنه.
فالعبرة باختيار أكثر فضلاء الأمة، لا يجميعهم، وإن معرفة فضلاء الأمة في عهد أبي بكر وعثمان وعمر كان سهلا لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صعب في عهد علي لتفرق كثير منهم في الأقاليم المفتوحة، ولكن الأكثرين كانوا بالمدينة فانعقدت بهم إمامة فارس الإسلام علي رضى الله عنه ،
243