241

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ولذا تخالف ابن حزم في اعتبار عقد الإمامة بالاختيار من الخليفة السابق. بل إن العقد هو بالبيعة نفسها، وإنك لترى ذلك واضحاً مما كان في سقيفة بني ساعدة فإنه لم يكن أحد إماماً إلا بعد أن تقدم عمر لأبي بكر وقال له: امدد يدك أبايعك، وبعد تمام البيعة، وعندئذ تولى أبو بكر إمرة المؤمنين، وكان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني - الذي نلاحظه - أن ابن حزم يقرر أنه إذا فشا المنكر جاز لشخص أن يتقدم يدعو لنفسه، وعلى ذلك يكون فشو المنكر سبباً في أن يخرج الإمام عن الإمامة إذا أعان الفساد، لأنه يكون قد فقد شرط الإمامة، ويكون موضع الإمامة شاغراً، فيتقدم من يشغله، ومن يعاون المتقدم، فإنما يعاون على البر والتقوى، ومن يسكت عن معاونته، فإنما يعاون المنكر، وبذلك يعاون الإثم والعدوان.

وابن حزم يفرض أن اثنين قد قاما يدعوان لأنفسهما في وقت واحد، في هذه الحال لا يجعل الحكم لمن ينال عدداً أكثر، ومؤيداً من جمهور أكبر بل يجعل الأمر للزمن، فمن سبق بدعوته، ولو بطرفة عين، قدم وكان الثاني باغياً ولو كان أفضل من الأول، أو مثله، أو دونه، فمن جاء ينازعه تضرب عنقه كائناً من كان.

ويقول فيما لو قام اثنان معاً في وقت واحد من غير أن يعرف السابق: ((فلو قام اثنان فصاعداً معاً في وقت واحد ويئس من معرفة أيهما سبقت بيعته نظر أفضلهما وأسوسهما فالحق له، ووجب نزع الآخر، يقول الله تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، ومن البر تقليد الأسوس وليس هذا بيعة متقدمة يجب الوفاء بها، ومحاربة من نازع صاحبها، فإن استويا في الفضل قدم الأسوس، نعم وإن كان أقل فضلاً إذا كان مؤدياً للفرائض والسنن مجتنباً للكبائر مستتراً بالصغائر، لأن الغرض من الإمامة حسن السياسة والقوة على القيام بالأمور، فإن استويا في الفضل والسياسة أقرع بينهما، أو نظر في غيرهما، والله سبحانه وتعالى لا يضيق على

( م ١٦ - ابن حزم )

241