238

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

إنسان مختاره إماماً بعده، وسواء أفعل ذلك في صحته أم في مرضه عند حضور الوفاة، إذ لا نص ولا إجماع على المنع، ويقول في ذلك ((كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز، وهذا الوجه هو الذي نختاره، ونكره غيره لما فيه من اتصال الإمام وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب، مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس، وحدوث الأطماع)).

ولكن يعترض على هذا بأن الصحابة والتابعين قد اعترضوا على العهد إلى يزيد والعهد إلى سليمان بن عبد الملك، ومن قبله الوليد وغيرهم، فيرد ابن حزم ذلك الاعتراض بأن الاعتراض لم يكن على أساس العهد، وإنما كان على أساس أنهم كانوا غير مرضيين في دينهم وأخلاقهم، فقد كانوا يعلنون الفساد.

٢٩٦ - والوجه الثاني من أوجه عقد الإمامة التي يقرها ابن حزم ((أن الإمام إذا مات من غير عهد، أن يبادر رجل مستحق للإمامة فيدعو إلى نفسه ولا منازع له، فإنه يفرض اتباعه والانقياد لبيعته والتزام إمامته وطاعته، كما فعل علي إذ قتل عثمان رضي الله عنهما، ويستشهد على هذا الوجه من اختيار الإمام الأعظم بما فعله خالد بن الوليد في غزوة تبوك فيقول: وقد فعل ذلك خالد بن الوليد، إذ قتل الأمراء: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، فأخذ الراية خالد عن غير إمرة، وصوب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بلغه فعله وساعد خالداً جميع المسلمين رضي الله عنهم)).(١)

وإذا كان هذا الذي يقوم ويدعو لنفسه عند موت الخليفة تنفذ إمامته فكذلك تجوز إمامة مثله عند شيوع المنكر والدعوة لنفسه، ولذا يقول ابن حزم: ((أو أن يقوم كذلك عند ظهور منكر يراه، فتلزم معاونته على البر والتقوى ولا يجوز التأخر عنه؛ لأن ذلك معاونة على الإثم والعدوان))

(١) الفصل = ٤ ص ١٧٠.

238