229

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

حب الذات والغلبة ... فإذا عصم الله النفس غلب التمييز بقوة من عنده هي له مدد وعون فجرت أفعال النفس على ما رتب الله عز وجل في هواها من الشهوات وحب الغلبة والحرص والبغي والحسد وسائر الأخلاق الرذيلة والمعاصي. وقد قامت البراهين على أن النفس مخلوقة، وكذلك جميع قواها المنتجة عن قوتيها الأوليين التمييز والهوى. كل ذلك مخلوق مركب في النفس مرتب على ما هو عليه فيها، كل جار على طبيعته المخالقة(١).

٢٨٤ - ونرى من هذا كيف يبين الاستطاعة التي خلقها الله في الإنسان وتوفيق الله تعالى لأهل الخير، وخذلانه لأهل الشر، وأن بهذه القوة قوة التمييز والاختيار عند منازعة الهوى تكون التبعات، ويكون الجزاء من عقاب وثواب، وإن توفيق الله سبحانه وخذلانه يكون مع هذه القوة العاملة في النفس فيكون كل لما يسر له.

وإنه ليبين أن كل نفس قد كانت باتجاهاتها ومداومتها على حال معينة لا تستطيع الخروج عنها، والأخلاق المطبوعة لا تقبل التغير، ويسوق ذلك دليلا على أنه مع الاستطاعة المودعة نفس الإنسان توجد قوة أخرى وهي إرادة الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، فيقول:

((ومن عرف تراكيب الأخلاق المحمودة والمذمومة علم أنه لا يستطيع أحد غير ما يفعل مما خلقه الله عز وجل فيه، فتجد الحافظ لا يقدر على تأخر الحفظ، والبليد لا يقدر على الحفظ، والفهيم لا يقدر على الغباوة، والغبى لا يستطيع ذكاء الفهم، والحسود لا يقدر على ترك الحسد، والنزيه النفس لا يقدر على الحسد، والحريص لا يقدر على ترك الحرص، والبخيل لا يقدر على البذل، والجبان لا يقدر على الشجاعة، والكذاب لا يقدر على ضبط نفسه عن الكذب، كذلك يوجدون من طفولتهم، والسيء الخلق لا يقدر على الحلم، والحي لا يقدر على القحة، والوقح لا يقدر على الحياء، والعبى لا يقدر على البيان، والطيوش لا يقدر على الصبر، والغضوب لا يقدر على الحلم، والصبور لا يقدر على الطيش، والحليم لا يقدر على الغضب، والعزيز

(١) الفصل = ٣ ص ١٠ .

229