Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)) وبقوله تعالى: (( ويتفكرون في خلق السموات والأرض)) فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه. ومنها أخبار سالفة جاءت على معنى الوعظ لنا، وهي مما أمرنا بالاعتبار به بقوله تعالى: ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)) فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه، ومنها وعد أمرنا وحضنا على العمل لاستحقاقه، ووعيد حذرنا منه. وكل ذلك مما أمرنا بالفكرة فيه: لنجتهد في طلب الجنة، ونفر من النار، فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه فلما علمنا أن كل ما ذكرنا ليس متشابهاً، وعلمنا يقيناً أنه ليس في القرآن إلا محكم ومتشابه، أيقنا أن كل ما ذكر محكم، فلما أيقنا ذلك ضرورة علمنا يقيناً أن ما عدا ما ذكرنا هو المتشابه، فنظرنا لنعلم أي شيء هو فنتجنبه ولا نتتبعه، وإنما طلبناه لنعلم ماهيته، لا كيفيته ولا معناه، فلم نجد في القرآن شيئاً غير ما ذكرنا. حاشا الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور وحاشا الأقسام التي في أوائل بعض السور. فعلمنا يقيناً أن هذين النوعين هما المتشابه الذي نهينا عن اتباعه، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من المتبعين له، وكذلك وجدنا عمر رضي الله عنه قد أوجع صبياً ضرباً على سؤاله عن تفسير والذاريات، فصح ضرورة أن هذين القسمين هما المتشابه الذي نهينا عن ابتغاء تأويله، إذ لم يبق بعد ما ذكرنا إلا هذان النوعان، ولا بد من تشابه فلم يبق غيرهما. فحرام على كل مسلم أن يطلب معاني الحروف المقطعة التي في أوائل السور كهيعص، وحمعسق، ون، والم، وص، وطسم، وحرام أيضاً على كل مسلم أن يطلب معاني الأقسام التي في أوائل السور مثل والنجم، والذاريات، والطور، والمرسلات عرفا، والعاديات ضبحا وما أشبه ذلك))(١).
هذه عبارات ابن حزم التي يعلن فيها رأيه في المتشابه من القرآن، ونراه قد سلك مسلك الاستقراء. فتتبع أوامر الله تعالى وآياته، واختبر كل نوع من أنواع الآيات الكريمة، فما وجده في موضوع مطلوب اعتبره محكما. حتى يمكن الخطاب بمضمونه من تكليف بأمر أو نهي، وعظة
(١) الإحكام في أصول الأحكام الجزء الرابع ص ١٢٣.
223