219

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

(( مما عملت أيدينا )) مما عملنا . وكل هذا مجاز ظاهر يفهمه كل عربي ، وهو كقوله تعالى عن الدخول بالجارية بسبب ملكيتها ((وما ملكت أيمانكم)) فالمراد ((وما ملكتم)) وما فهم أحد أن المراد ملكية اليد اليمنى دون سواها، فهي مجازات مشهورة تعد كأنها حقائق لغوية ، ولها مكانها من البلاغة، ومراعاة مقتضى الحال . ويفسر كذلك كلمة أعين في قوله تعالى: ((فإنك بأعيننا)) فإن المراد قربه من الله وقرب الله منه. وهكذا يفسر كل كلمة تدل على الجزئية بأن الذات العلية التي لا تتجزأ ، ولا تتركب بل إنها جاءت عن الشبيه وجلت عن التركيب ، وتنزهت عن كل مشابهة للحوادث.

وكذلك يفسر قدم الله التي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم (إن جهنم تمتلىء حتى يضع الله تعالى فيها قدمه) فإن المراد ذاته. والصورة في قوله عليه السلام (( خلق الله آدم على صورته)) فإن المراد ملكه أي خلقه على الصورة التي أرادها ، فإضافة الصورة إليها إضافة ملك، وهكذا (١).

٢٧٣ - ويفسر ابن حزم الاستواء على ذلك النحو بما لا يتنافى مع التنزيه والبعد عن المشابهة بالحوادث ، بأن يفسر الاستواء بمعنى الانتهاء ، فمعنى استوى أي انتهى فعله تعالى إلى العرش ، أي أنه آخر الدنيا ، ويقول في ذلك: ((على العرش استوى)) أنه فعل فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه إليه ، فليس بعد العرش شيء، ويبين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنات ، وقال : فاسألوا الله الفردوس الأعلى، فإنه وسط الجنة ، وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن ، نصح أنه ليس وراء العرش خلق ، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المساحة والزمان والمكان ، فقد لحق بقول الدهرية ، وفارق الإسلام ، والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء ، قال تعالى: ((فلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً)) أي فلما انتهى إلى القوة والخير، وقال تعالى (( ثم استوى إلى السماء وهي دخان)) أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه، وبالله التوفيق، وهذا هو الحق ، وبه نقول لصحة البرهان))(٢).

(١) الفصل ج ٢ ص ١٦٦، ١٦٧. (٢) الفصل ج ٢ ص ١٢٥.

219