214

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٢٦٧ - وإن ابن حزم ينهج في معرفة الذات العلية المناهج العقلية التي أشرنا إلى أنه يلتزمها في دراساته لعقيدة التوحيد وإثباتها بإقامة البراهين العقلية، ولكنه يتقيد بنصوص القرآن والأحاديث النبوية في كل ما يتعلق بالذات العلية، فلا يذكر الله سبحانه وتعالى بما لا يذكر به ذاته الكريمة، فهو يستخدم العقل في إثبات ما يذكره القرآن والسنة ما وسع العقل الإثبات بأن كان في طاقة العقل إدراكه، ولكنه لا يسمح للعقل أن يثبت غير ما أثبته القرآن، حتى لا يتيه ويضل، فعلى المؤمن أن يؤمن بما جاء به الدين، ويأخذ بظاهر النصوص فيه كما يأخذ بظواهر النصوص في الفروع، ولا يتجاوزه ولأنه يأخذ بظواهر النصوص، قرر أن ما يذكر في القرآن الكريم عن الله سبحانه وتعالى، من أنه العليم والحكيم والقادر والسميع والبصير من أسماء له سبحانه وتعالى، فتلك أسماء الله الحسنى، سمى الله جل جلاله بها نفسه، فليس لأحد أن يسميها صفات، ولا أن يفكر في أنها شيء غير الذات، أو هي والذات شيء واحد، ويرد قول الذين يقولون إن هذه صفات، يستوي في ذلك الذين يقولون إنها غير الذات كالأشاعرة، والذين يقولون إنها والذات شيء واحد كالمعتزلة، ولذا يقول:

((وإما إطلاق لفظ الصفات لله عز وجل فمحال لا يجوز، لأن الله تعالى لم ينص قط في كلامه المنزل على لفظ الصفات، ولا على لفظ الصفة، ولا حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى صفة، أو صفات، نعم، ولا جاء قط ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من خيار التابعين، ولا عن أحد من خيار تابعي التابعين، وما كان هكذا فلا محل لأحد أن ينطق به. ولو قلنا إن الإجماع قد تيقن على ترك هذه اللفظة لصدقنا، فلا يجوز القول بلفظ الصفات ولا اعتقاده. بل هي بدعة منكرة قال تعالى: ((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى)) ..

ثم يقول: ((وإنما اخترع لفظ الصفات المعتزلة ونظراؤهم من رؤساء الرافضة وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام، سلكوا غير مسلك السلف الصالح، ليس فيهم أسوة ولا قدوة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وربما أطلق هذه اللفظة من متأخري الأئمة من الفقهاء

214