207

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

إبطالًا للحقائق، ولكن الله غيرها لإثبات النبوات، وثبت ذلك بالمشاهدة عمن شاهد وعاين، وبالتواتر لمن لم يشاهد ويعاين، أما غير الأنبياء فلم يثبت ذلك لهم، فبقيت حقائق الأشياء، كما هي، وأنه على ذلك لا تحدث خوارق للكون إلا في عصور النبوة، وبعد النبوة لا خوارق للكون مطلقًا، فلا يصدق مدعيها، وإلا كان قلبًا للحقائق.

٢٥٨ - وإذا لم تكن خوارق الكون على أيدي أحد من الصالحين، فقد ذهب السبب الذي يقوم عليه تقديسهم، حتى يفرط مريدوهم فيقرب التقديس إلى مرتبة العبادة.

وإن ابن حزم لا يكتفي بذلك الثفي عن غير النبيين، بل ينفي أن يكون للنبيين بعد موتهم أي خارق لنظم الكون لأن رسالتهم قد بلغت واستقرت الدلالة عليها وقامت البينات قبل أن ينتقلوا إلى الرفيق الأعلى، فلا حاجة إلى آية بعد موتهم، وإنه ليقول في ذلك مجادلًا أبا بكر الباقلاني:

((فإن قيل: إن أجزتم أن تظهر المعجزة في غير نبي لكن في عصره نبوة لتكون آية لذلك النبي فهلا أجزتموه كذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لتكون آية لذلك النبي، قلنا: إنما أجزنا ذلك الشيء (أي خرق النظام الكوني) في الجماد وسائر الحيوان، وفيمن شاء الله إظهار ذلك فيه من الناس لا تخص بذلك فاضلًا لفضله، ولا نمنع ذلك في فاسق لفسقه وإنما أنكر على من خص بذلك الفاضل فجعلها لكرامة له، فلو جاز ذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لأشكل الأمر، ولم نكن في أمن من دعوى من ادعى أنها آية لذلك الفاضل، ولذلك الفاسق، والإنسان من الناس يدعيها آية له، ولو كان ذلك لكان إشكالًا في الدين، وتلبيسًا من الله تعالى على جميع عباده، أولهم عن آخرهم، وهذا خلاف وعد الله تعالى لنا وإخباره بأن قد بين الرشد من الغي، وليس كذلك ما يكون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يكون إلا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وبإخباره وبإنذاره، فبدت بذلك أنها له لا الذي ظهرت فيه، وهذا في غاية البيان))(١).

(١) الكتاب المذكور ص ١٠.

207