205

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

١ - التوحيد في العبادة

٢٥٥ - على كل مسلم أن يؤمن أن الله وحده سبحانه وتعالى هو المعبود بحق فلا عبادة بحق إلا لله سبحانه وتعالى، هذا أمر متفق عليه بين المسلمين، وعلى ذلك لا تقديس لأحد بحيث يصل ذلك التقديس إلى مرتبة العبادة باتفاق العلماء، ولكن هل هناك أشخاص مقدسون؟

يقول ابن حزم قولاً قاطعاً: إنه لا أحد من الناس مقدس أو منزه إلا الرسل والأنبياء، ولكن حدث في عصره وفي كل عصور الإسلام أن وجدت دعوات لأشخاص ادعى لهم التقديس، والاختصاص بالقربى لله سبحانه وتعالى، وادعى أن الله يجري على أيديهم خوارق للعادات، وهنا نجد ابن حزم يقطع الأمر من دابره ويحثه من أصله.

لقد ادعى لقوم الكرامة بإجراء خوارق للعادة على أيديهم لم يتحدوا بها فسار وراءهم ناس لهذه الخوارق وقد سوهم فجاء ابن حزم وأنكر هذه الخوارق إلا أن تكون على أيدي أنبياء ليكون الإعجاز، وإثبات رسالة الله سبحانه وتعالى إليهم. وإذا نفى وقوع خوارق على غير أيدي النبيين؛ فقد انتفى سبب التقديس الذي أدى إلى بعض الناس بهذا الانحراف، حتى كادوا يعبدون هؤلاء أحياء وأمواتاً، فهم يتبعونهم اتباع تقديس في حال الحياة، ويطوفون حول قبورهم بعد الوفاة.

٢٥٦ - وقبل أن ننقل قول ابن حزم في هذا المقام تقرر أن الباقلاني وطائفة كبيرة تفرض أن خوارق العادات تقع على يد غير الأنبياء، ويقولون في الفرق بينها، إن وقعت من غير نبي، وبين المعجزة، بأن المعجزة تقترن بالتحدي وأن الأنبياء يتحدون بها، فيعجز الناس عن محاكاتها، فيكون ذلك مثبتاً للرسالة. وإنه إن ظهرت هذه الخوارق على يد رجل صالح كانت كرامة.

هذا ما يقرره الباقلاني، وابن حزم ينكر أن يكون خارق للعادات على أيدي غير النبيين، ويقول في ذلك: ((إن المعجزات لا يأتي بها أحد من الأنبياء عليهم السلام، قال عز وجل (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن

205