198

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

في دينه وهجر من قومه هجراً غير جميل وجافوه وآذوه وتجاهلوا قدره، وحاولوا إخمال ذكره، بل تجاوزوا الحد فأحرقوا ثمار فكره، حرقوا كتبه علناً في أشبيلية. وإن ذلك ليخرج الحليم عن حلمه، فكيف بمن أصيب بعلة أفقدته الحلم. وولدت عنده ضيقاً وقلة صبر، بل أورثته نزقاً كما قال عن نفسه.

إن ابن حزم رضي الله عنه كان ذا نفس تحس وتشعر وتألف وتؤلف فإذا أصيبت تلك النفس بالجفوة الشديدة كانت تلك علة نفسية فوق علته الجسمية، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ابتلاه بالمرض، فقد ابتلاه أيضاً بجفوة الناس، فتولد عن ذلك عنده وهو الأبي ذو الشمم المحس بما وهبه الله سبحانه من مواهب علمية أن يخاطبهم بمثل هذه الجفوة فيخطهم بأشد ألفاظ التخطئة من غير مبالاة، بل تتجاوز به تلك الجفوة التي ولدوها - الحد، فينال الأئمة الذين يقلدهم هؤلاء بألفاظ التخطئة من غير مبالاة أيضاً.

إن الجفاء يدفع المتجافين إلى القول الجاف، فإذا كانوا قد رموه بالشذوذ وآذوه، فإنه يرميهم هم ومن يقلدونهم بكل ألفاظ التخطئة والسخف غير متحرج من إثم. ولا متخوف من ملام، فقد سبق لومهم ونكيرهم قوله فلا عتب لمستعتب، وكذلك يدفع الجحود، والرمي بالشذوذ من غير حجة ولا سلطان مبين.

٢٤٧ - والسبب الثالث - من أسباب عنفه في كتب الخلاف - أن هذه الكتب كانت نتيجة لتهييج الذين حاربوه بالشذوذ، فهي غرست وسقيت بماء من الحدة والجفوة فجاءت نتيجة لذلك حاملة أوصاف سبها، والثمر دائماً من جنس الغرس، ويتغذى من الماء الذي يتغذى منه الشجر، ولقد صرح هو بذلك فقد نقلنا عنه أنه انتفع بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة فإنه قد تولد عن احتكاكه بمخالفيه أن توقد طبعه واحتدم خاطره، وحي فكره وتهيج نشاطه، فكان ذلك سبباً إلى تأليف هذه الكتب. وأنه لولا استثارتهم ساكنه. ما انبعثت تلك الكتب المؤلفة(١).

(١) مداواة النفوس ص ٣١.

198