197

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

موضوع ما يكون جزءاً من غيره، ولا صلة له بما يتكلم فيه. وإذا كانت فكرة تتعلق بموضوعين ذكرها في الموضوعين بتفصيل في أولها ذكراً، وإجمال أو إشارة في ثانيهما ذكراً، وذلك ليكون كل موضوع قائماً بذاته واضحاً من غير أي تصعيب في طلب الحصول أو التنقيب، فأسلوب ابن حزم العلمي كنفسه وفكره، وكلاهما مشرق واضح.

٢٤٥ - وإن أمراً قد اشتهر به وعرف عنه، يجب الإشارة إليه هنا وهو عنفه في كتب الخلاف التي كتبها، فتعبيراته عن آراء غيره شديدة عنيفة مستهجنة، أو كما عبر هو عنها لا تخلو من نزق، كتكفير في غير موضع تكفير، ورمي بالسخف لمن لا يكون سخيفاً، فما كان يتورع عن مثل هذه التعبيرات بالنسبة للأئمة الذين فتحوا عين الفقه.

ولاشك أن العبارات الشديدة كانت أحياناً تكون في موضعها، ولكن بلا شك هي تجاوزت في أكثر الأحيان الحدود المعقولة، ويبدو ذلك في أثناء مناقشة بعض آرائه إن شاء الله تعالى.

وهنا يتساءل القارئ: ما الأسباب التي أدت إلى هذه الحدة؟ ونحن نرى أن أموراً ثلاثة هي من هذه الأسباب:

أولاً - ما ذكره من المرض الذي انتابه. فقد نقلنا عنه ما ذكره من أنه أصابته علة شديدة، تولد عنها في نفسه ضجر وضيق خالق وقلة صبر ونزق وأنه أحس بتغير في طباعه على أثر هذه العلة (١).

وإنه لا شك صادق في الإخبار عن نفسه، فهو أدری بحاله. ولكن هل نسند كل هذا العنف في التعبير إلى تلك العلة فقط؟ إنها سبب جوهري، ولكن ضيق الخلق إذا أصاب إنساناً لا تظهر آثاره إلا محركات تكشف حال الشخص، فإذا لم تظهر هذه المحركات كانت النفس في حال مكون ولذلك كان لابد من سبب ثان مع هذا.

٢٤٦ -والسبب الثاني - هو سوء ما لاقاه من أهل عصره فهو قد اتهم

(١) مداواة النفوس ص ٥٠.

197