195

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٢٤٢ - وصف جميل لا يعلو كاتب إلى أجود منه، وانظر إلى قوله في وصف نفس جميلة وحسن رائع:

«ألفت في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا. وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها، وطهارتها وخفرها ودمائها، عديمة الهزل منيعة البذل، بديعة البشر، مسبلة الستر، فقيدة الذام، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة القطوب حلوة الإعراض. مطبوعة الانقباض، مليحة الصدود، رزينة العقود، كثيرة الوقار، مستلذة التفار، لا توجه الأراجى نحوها، ولا تقف المطامع عليها، فوجهها جالب كل القلوب وحالها طارد من أمها، تزدان في المنع والبخل ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل. وموقوفة على الجد في أمرها غير راغبة في اللهو، على أنها كانت تحسن العود إحساناً جيداً، فجنحت إليها وأحببتها حباً مفرطاً شديداً فسعيت عامين أو نحوهما أن تحيينى بكلمة وأسمع من فيها لفظة غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي، فما وصلت من ذلك إلى شيء أكتبه»(١).

ألا ترى أيها القارئ الكريم أن في هذا النثر البليغ البديع وصفاً لجمال الحسن وجمال النفس، قد ازدان الجسم بالجمال وازدانت النفس بالعفاف، فكان الجمال وكان الكمال.

٢٤٣ - وإنه لا مانع من أن ننقل أبياتاً من شعره، تتصل بحياته، وشعوره نحو أهل عصره وإحساسه بعلمه، فهو يقول مفتخراً:

أنا الشمس في جو العاوم منيرة ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكرى الهب
ولي نحو أكناف العراق صبابة ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب

فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم فحينئذ يبدو التأسف والكرب

هنالك يدرى أن للعبد غضبة وأن كساد العلم آفته الغرب

(١) الكتاب المذكور ص ١٠٩.

195