194

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٢٤٠ - ولابن حزم نثر، بلغ أعلى درجات الجودة من حيث اللفظ والأسلوب والمعاني، والألفاظ المفردة فيه منتقاة انتقاء رائقاً، بحيث تكون كل كلمة متآخية مع أختها ولها جرس حلو يتفق مع موضوعها، والأسلوب متماسك رصين سهل يعد من قبيل السهل الممتنع الذي لا عوج فيه، ولا اضطراب في موسيقاه، ليس فيه تكلف واضح، بل هو مسترسل ينساب بنغمات عذبة في النفس، وله مع هذا الأسلوب الرائع والألفاظ الصحيحة معانٍ تتآخى فتكون صوراً بيانية تغذي الخيال، فتشع بأخيلة تتفق مع موضوع القول، ونذهب بالفكر فيها مذاهب.

وإني أحسب أنه في نثره الفني كان خيراً من كثيرين من أدباء عصره. لأن نثره كان حديث النفس يتصل بالنفس لا تكلف فيه ولا صناعة واضحة.

٢٤١ - وقد وضح نثره الفني في رسالته طوق الحمامة، وفي رسائل كتبها، وإنا ننقل قطعة في وصف روضة من طوق الحمامة، فقد قال رضي الله عنه: تنزهت أنا وجماعة من إخواني من أهل الأدب والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا، فجلسنا ساعة، ثم أفضى القعود إلى مكان دونه يتمنى، فتمددنا في رياض أريضة، وأرض عريضة، للبصر فيها منفسح، وللنفس لديها مسرح، بين جداول تطرد كأباريق اللجين، وأطيار تغرد، تزري بما أبدعه معبد والغريض، وثمار مهدلة قد ذلت الأيدي ودنت للمتناول، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها، فتتصور بين أيدينا كرقاع الشطرنج والثياب المديجة، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة، وأنهار متدفقة كبطون الحيات، لها خرير يقوم ويهدأ، ونواوير مرفقة مختلفة الألوان، تصففها الرياح الطيبة النسم، وهواء سجسج، وأخلاق جلاس تفوق كل هذا، في يوم ربيعي ذي شمس ظليلة، تارة يغطيها الغيم الرقاق، والمزن اللطيف، وتارة تنجلي فهي كالعذراء خفرة، والخردة الحجلة تتراءى لعاشقها من الأستار، ثم تغيب فيها حذر عين مراقبة وكان بعضنا مطرقاً كأنه يحادث آخر(١).

(١) طوق الحمامة ص ٩٩.

194