184

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

باطل وإن هذا يدل على إخلاصه في جدله في الجملة ولكن كلامه الذي نقلناه كما يدل على إخلاصه يدل أيضاً على أن قلبه لا يتسع بسهولة لقبول كلام غيره، وإن كان يصرح باستعداده لذلك في الجملة، ولقد دل على صعوبة تغيير رأيه أمران جاءا في كلامه - أولهما - أنه لا يشك في آرائه بأي نوع من الشك. وأنه يعتقد أنه لا حجة مطلقاً عند خصومه، فهو مجادل وقد سبق الجدل إيمان بأنه لا حجة لغيره، وإن سبق ذلك يصعب قبول كلام غيره، إذ أن قبول آراء غيره يجب أن يكون في النفس منفذ لقبولها، وقد سد كل أبواب الوصول إلى قلبه، بحكمه الجازم بصحة مذهبه، وبيقينه بأنه لا دليل عند مخالفيه، فلكي يصل رأي مخالفه إليه لا بد من اجتياز عقبتين (إحداهما) اعتقاده أن أقوال خصومه باطل، ولا حجة لهم. (والثانية) اعتقاده أن كلامه حق لا مجال للشك فيه.

وإن هذا بلا شك نقص في جدل ابن حزم لا يعفيه من الملامة إخلاصه، بل إنه مما ينقص الإخلاص ذلك التعصب الشديد لفكره ومذهبه فإن التعصب يسد المنافذ للوصول إلى الحق المجرد، وإن ذلك بلا ريب يضعف الإخلاص إذ بدل أن يكون الإخلاص للحق لذات الحق، يكون الإخلاص للحق على مقتضى تفكيره هو. وإنك لتجد الفارق جوهرياً بين ابن حزم وشيخ الفقهاء أبي حنيفة الذي اشتهر بالجدل حين سئل عن آرائه، إذ قال له قائل أهذا الذي انتهيت إليه هو الحق الذي لا ريب فيه؟ فقال شيخ الفقهاء: لا أدري لعله الباطل الذي لا شك فيه. وإن الفقهاء المذهبيين يقررون أن مذهبهم صواب لا يحتمل الخطأ ومذهب غيرهم خطأ يحتمل الصواب، فأدخلوا الاحتمال في قولهم وقول مخالفيهم، أما ابن حزم فلم يدخل احتمال الخطأ في قوله، ولا احتمال الصواب في قول مخالفه، فكان لهذا متعصباً، وسد طريق التغيير على نفسه، وأن هذا بلا شك يعكر إخلاصه في طلب الحق.

الأمر الثاني - الذي صعب على ابن حزم تغيير رأيه الذي اختاره، اعتقاده أن الظاهرية أهل البحث وتخليص الحقائق؛ وأنهم قضوا العمر في طلب تصحيح الحجة، واعتقاد الأدلة قبل اعتقاد المدلول، أي الإيمان

184