178

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته حق، إلى آخر ما أثبتته الصحاح من السنة التي رويت بطريق أخبار الآحاد (١).

٢٢٢ - هذا نظر ابن حزم إلى أحاديث الآحاد مادامت قد رويت بطريق الثقات العدول ولم تبلغ حد التواتر، وقد خالف فيه جمهور متبعي مذاهب الأئمة الأربعة الذين يقررون أن أحاديث الآحاد توجب العمل ولا توجب الاعتقاد، وقد أخذ عليهم التفريق بين العمل والاعتقاد، وأنكر عليهم أن يقتلوا بها الأنفس، ويستحلوا بها الفروج، وفي الوقت ذاته لا توجب اعتقاداً عندهم.

إن الأساس في هذا أن ابن حزم يعتبر خبر الثقة العدل في الدين ليس فيه احتمال الكذب. لذا يقول: ((ثبت يقيناً أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع به موجب للعلم والعمل معاً))(٢).

بل إنه يفرط في تقدير أخبار العدول حتى ليجري على قامه أنهم معصومون عن الكذب ماداموا عدولا، فيقول في مناقشة أقوال مخالفيه:

((فإن قالوا يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها، وأن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب، ووقوع الوهم فيه، قلنا لهم: نعم هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت، وكل عدل روى خبراً قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدين أو فعله عليه السلام فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب، مقطوع بذلك عند الله تعالى ومن جواز الوهم عليه إلا ببيان وارد))(٣).

ولا شك أن هذا لا يخلو من مغالاة في تقدير رواة أحاديث الآحاد، ولكن دفعه إلى ذلك اعتقاده سلامة الشريعة في نقلها من أن يدخل نقلها وهم أو تعمد كذب.

(١) راجع تفاصيل ذلك وإحصاءه في أول الجزء الأول من المحلى.

(٢) الإحكام ١ ص ١٤. (٣) الإحكام ١ ص ١٣٠.

178