176

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

قط نص قرآن، ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل، "لأنه قول بلا دليل" (١).

وترى من هذا أن ابن حزم يمنع التقليد منعاً باتاً، فلا يسوغ للعالم أن يقلد، وبالأولى لا يسوغ للعالم أن يقلد، وإنما أقصى فرق بين العالم والجاهل أن الجاهل لجهله يسأل أهل الذكر، فإن أفتوه لا يقبل قولهم حتى يقولوا له الأصل من الكتاب أو السنة الذي أخذوا منه الفتوى، فإن لم يفعلوا ترك قولهم، وذهب إلى غيرهم حتى يجد من يقول له قال الله تعالى أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما العالم الذي يستطيع معرفة الحكم من الكتاب والسنة من غير الاستعانة بأهل الذكر فإن عليه أن يتعرف الأحكام من القرآن والسنة من غير سؤال أحد إلا إذا احتاج إلى ذلك ليطمئن إلى دينه، وقد قال في شأن العالم رضي الله عنه: "وليعلم كل من قلد صاحباً أو تابعاً، أو مالكاً أو أبا حنيفة أو الشافعي أو سفيان أو الأوزاعي أو أحمد أو داود رضي الله عنهم يتبرءون منه في الدنيا والآخرة ويوم يقوم الأشهاد، اللهم إنك تعلم أنا لا نحكم أحداً إلا كلامك وكلام نبيك الذي صليت عليه وسلمت وفي كل ما تنازعنا فيه واختلفنا في حكمه، وأننا لا نجد في أنفسنا حرجاً مما قضيت ولو أسخطنا بذلك جميع من في الأرض وخالفناهم، وصرنا دونهم حزباً وعليهم حرباً وأننا مسلمون لذلك طيبة أنفسنا عليه، مبادرون نحوه لا نتردد ولا نتلكأ، عاصون لكل من خالف ذلك، موقنون أنه على خطأ عندك، وأنا على صواب لديك، اللهم فثبتنا على ذلك، ولا تخالف بنا عنه، واسلك اللهم بأبنائنا وإخواننا المسلمين هذه الطريقة، حتى ننقل جميعاً، ونحن مستمسكون بها إلى دار الجزاء آمنين برحمتك يا أرحم الراحمين" (٢).

وهكذا نرى ذلك الإمام الجليل يصيح بالفقهاء وبالعامة صيحة الحق، لكيلا يقلدوا أحداً في دين الله، ولكيلا يقبلوا قولاً من غير مستنده من

(١) المحلى ج ١ ص ٦٦ و ٦٧.

(٢) الإحكام في أصول الأحكام ج ١ ص ١٠٠.

176