174

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

بالقرآن شيئاً كنا نشك فيه من صحة ما أدركه العقل والحواس، ولو فعلنا ذلك لكنا مبطلين للحقائق، ولسلكنا برهان الدور الذي لا يثبت به شيء أصلاً، وذلك أننا كنا نسأل فيقال لنا بم عرفتم أن القرآن حق، فلا بد أن نقول بمقدمات صحاح يشهد لها العقل والحس، ثم يقال لنا بماذا عرفتم صحة العقل والحس الصحيحين لتلك المقدمات؟ فكنا نقول بالقرآن فهذا استدلال فاسد (١).

وإن هذا الكلام يدل على أنه في دراساته الإسلامية يوجب الاعتماد على العقل في إثبات التوحيد وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي سباقها. وإن ذلك الإثبات لا يكون إلا عن طريق البدهيات العقلية المقررة. في الفطرة الإنسانية والتي تعد المدارك التي اختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان، وإذا ثبت بالمعجزة مع الربط العقلي بالمقدمات الأولى صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبة القرآن العظيم إلى الرب الكريم، وجب الانقياد إلى ما جاء به. ثم ينبه رضي الله عنه إلى أنه لا يصح أن يقال إن الرجوع إلى البدهيات العقلية لا يكون إلا بنص من القرآن لأن ذلك يؤدي إلى الدور، إذ تكون الحال هكذا: إن القرآن لا يعرف كونه حقاً إلا ببدهيات العقل، وبدهيات العقل لا تعرف سلامتها وصحة الاستدلال بها إلا بالقرآن، وذلك استدلال فاسد، إنما المعقول أن بدهيات العقول هي الكيان الفكري للعقل الإنساني وهي الأساس لكل العلم الإنساني، سواء أكان عقلياً مجرداً أم كان تقلياً أو تجريبياً.

يعتمد ابن حزم على العقل في إثبات التوحيد وصدق النبوة ووجه الإعجاز، وتيقن أن ما اشتمل عليه هو أمر الله تعالى ونهيه وإباحته وإذنه ولكن بعد ذلك يعتمد على النص، يأخذ به ظاهراً وباطناً، ولا يحاول التخلص من أحكامه لا بتأويل ولا بتعليل، فهو يأخذ بظاهر النصوص الشرعية سواء أكان ذلك في العقائد أم في الأحكام العملية فلا يحاول تأويل ظواهر النصوص، فإذا قال سبحانه وتعالى: ((الرحمن على العرش استوى»

(١) الإحكام في أصول الأحكام ج ١ ص ٦٦.

174