170

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

وترى من هذا أنه يبنى حكمه بدوام العشق وعدم انقطاعه على نظريته التي قررها من قبل، وهو أن أساس العشق هو الاتصال العلوي بين النفسين، قبل أن يفيضهما سبحانه وتعالى على الجسم، ولسنا نتعرض لرأيه هذا بالنقد أو التزييف، لأننا لا نريد في هذا الأمر إلا عرض تفكيره، لا تقدير رأيه، فإن ذلك له موضعه، وله المختصون بموضوعه، ولسنا منهم.

٢١٥ - ولننتقل إلى الجزء الثاني الذي أردنا عرضه نموذجاً لآرائه، وهو التفرقة بين الحب والاشتهاء من الناحية التجريبية، ومن ناحية الماهية، فهو يقول:

((إن النفس في هذا العلم الأدنى قد غمرتها الحجب، ولحقتها الأعراض، وأحاطت بها الطبائع الأرضية، فسترت كثيراً من صفاتها، فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيؤ من النفس والاستعداد له، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها، ومقابلة الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب، فحينئذ يتصل اتصالاً صحيحاً بلا مانع، وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أغراض الاستحسان الجسدي، واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان، فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة، فإذا غلبت الشهوة وتجاوزت هذا الحد، ووافق الفعل اتصال نفسانى تشترك فيه الطبائع مع النفس يسمى عشقاً، ومن هذا دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين، ويعشق شخصين متغايرين، فإن هذا من جهة الشهوة التي ذكرناها آنفاً. وهي على المجاز تسمى محبة. لا على التحقيق. وأما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه في أسباب دينه ودنياه. فكيف بالاشتغال بحب ثان.

وترى في هذا أنه يفرق بين الحب والشهوة، بأن الحب اتصال نفسي كان قبل أن تنزل النفس إلى الأرض، وأما الاشتهاء فإنه علاقة جسدية أرضية، وقد يبتدىء الحب بإعجاب بالظاهر، ثم يتبين الاتصال النفسي العلوي:

٢١٦ - ولعل أبلغ ما جاء في هذه الرسالة القيمة وأدقها بياناً تعريفه للعفيف والعفيفة، ولننقل للقارئ ذلك التعريف البليغ فهو يقول :

170