169

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ديني قويم ، تظل الكتاب كله ، وتعلن عفة الكاتب مع علمه الدقيق بخواطر النفوس في هذا الباب ، وإدراكه لينابيعه ومظاهره ، وأحواله وأدواره ، ومظاهره وأشكاله ، بل مع تجربته الخلال التي لم تلتق بفاحشة ولم تخالط رجساً ؛ فإذا كان قد كتب في الحب والمحبين فما خلع العذار ، ولا ارتكب ما يذهب بالوقار ، بل كان الرقيق الدقيق الحس ، المدرك من غير أن تتأشب نفسه بمعصية ، ويقول في ذلك رضى الله عنه :

((يعلم الله؛ وكفى به عليما، أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط ، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنى مذ عقلت إلى يومي هذا)).

٢١٤ - وقد آن لنا أن نقبض قبضة من ذلك الكتاب ليكون نموذجاً معلناً ما وراءه ، ولنكتف بثلاثة أجزاء نسوقها ، أولها - في مراتب الحب وأنواعه ، وثانيها - الفرق بين الحب والاشتهاء ، وثالثها - في تعريف العفيف والعفيفة .

ويقول في مراتب الحب وأنواعه : علمنا أن الحب ضروب ، فأفضلها محبة المتحابين في الله عز وجل ، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب، وإما لفضل علم يمنحه الإنسان . ثم محبة القرابة ، ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب ، ومحبة التصاحب والمعرفة ، ومحبة البر يضه المرء عند أخيه ، ومحبة الطمع في جاه المحبوب ، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه ، يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ اللذة والقصد ، ومحبة العشق التي لاعلة لها ، إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس ، فكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها ، وزائدة بزيادتها ، وناقصة بنقصانها ، متأكدة بدنوها ، فاترة بعدها ، حاشا محبة العشق الصحيح الممكن من النفس ، فهي التي لافناء لها ، إلا بالموت، وإنك لتجد الإنسان السالي برغمه، وذا السن المتناهية إذا ذكرته تذكر ، وارتاح وصبا، واعتاد الطرب، واهتاج له الحنين))(١).

(١) ص ٧ .

169