168

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

وهكذا يستشهد مرة بقول الرسول عليه السلام لتزكية تحليله الفلسفي .. ويستشهد بأبقراط أخرى . ثم يسترسل في استشهاده لبيان أن أساس الحب المشاكلة ، وأساس البغض تضاد الصفات . فيستشهد بأفلاطون . وبعبارات من التوراة فيفيض باطلاع واسع غزير ، وحافظة واعية ، كشأنه في كل ما يكتب ويدرس ويحلل .

٢١٢ - هذا هو الأصل الأول الذي اعتمد عليه في هذه الرسالة .. وهو الفلسفة والمأثور عن السابقين . أما الأصل الثاني فهو الاستقراء والتتبع . وإن ذلك واضح كل الوضوح في الرسالة فما من حكم يصدره إلا أتى بالشواهد الكثيرة مما رأى وعاين . أو مما أخبر به وصدقه وبعض ما يقرره ملاحظات لنفسه ولنفوس غيره ، بل إنه ليجعل التجربة والمشاهدة والاختبار العماد الأساسي لما اشتملت عليه هذه الرسالة. فيقول في مقدمتها ((التزمت في كتابي هذا الوقوف عند حد الاقتصار على ما رأيت ، أو صح عندي بنقل الثقات .. ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا . وقد كثرت الأخبار عنهم . وما مذهبي أن أمتطي سواي ولا أتحلى بحلي مستعار)) (١).

ويقول في آخر الرسالة ((وإنما اقتصرت في رسالتي هذه على الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود سواها أصلا . وعلى أني قد أوردت من هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة . يكتفى بها)) .

٢١٣ - هذا منهاج الرسالة . وهذان هما المصدران اللذان استقى ابن حزم منهما . وإن الرسالة تمتاز بدقة التنظيم . وحسن التبويب . وإني لا أظن أن له كتاباً آخر خيراً منها ترتيباً وتبويباً . وإن لها فوق هذا الترتيب وذاك التبويب أسلوباً لا أحسب أن معاني كتبت في هذا الموضوع بأسلوب أجمل وأرشق ، وأحسن ديباجة من هذا ، فهو لسهولته ينساب في النفس انسياباً ، ولانسجام الألفاظ وتآخيها يبدو كأنه العقد المنتظم الذي لا تنبو فيه حبة عن أختها ، كل ذلك في تحليل نفسي ، واستقصاء ، وقد جعل كل هذا روح

(١) الرسالة ص ٣ .

168