165

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

وثانيهما - أنه اعتذر لصاحبه الذي كتب إليه عن قوله في الحب والمحبين بأنه نوع من الترفيه عن النفس. فهو يقول لصاحبه في صدر رسالته:

((بدرت إلى مرغوبك، ولولا الإيجاب لما تكلفته، فهذا من الفقر، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المثاب، وحسن المآب غداً.. وإن كان أبو الدرداء قال ((أجمعوا النفس بشيء من الباطل؛ ليكون عوناً لها على الحق)) ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي: ((من لم يحسن يتقي ومن يحسن يتقوى)) وفي بعض الأثر: ((أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد)) (١).

وإنه ليدل فوق ما تقدم على أنه كتبها في آخر الشباب وأول الكهولة ما جاء آخرها من التغرب المستمر له؛ إذ قال: ((وإن حفظ شيء وبقاء رسم وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني، فأنت تعلم أن ذهني متقلب بما نحن فيه من نبو الديار، والخلاء عن الأوطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل. ومدافعة الدهر. وانتظار الأقدار. لا جعلنا من الشاكرين إلا إليه، وأعادنا فضل ما عودنا، وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ)).

وإن هذا الكلام يدل بلا ريب على أن كتابة هذه الرسالة وقد شرد في البلاد. وغرب عن الأهل والأوطان. وعلى أن حوادثها بعيدة عن وقت كتابتها مما يستغرب معه تذكرها. لبعد ما مضى ولكثرة ما دهمه من الزمان فيه، وإن ذلك يكون غالباً إما في آخر الشباب أو في أول الكهولة.

ولذلك يظهر لنا أنه كتب هذه الرسالة في حدود الأربعين.

ولسنا في هذا المقام ندرس بالتحليل ما اشتملت عليه من حوادث الغزل. وأحوال الغزلين. فإن لذلك مقامه من يبحث الدارسين لهذه

(١) الرسالة ص ٢.

165