Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
Your recent searches will show up here
Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
٢٠٣ - هذا هو اتجاه هذه الرسالة القيمة، وتلك مصادرها، وعلينا أن نقبض قبضة منها لتكون بين يدي القارئ نموذجاً لنظره، ولأسلوبه. ولنختر ثلاثة موضوعات، لعلها تكشف عن بعض نواحي نفسه، أولها في النظر إلى أقوال الناس، والثاني في الثبات على الفكرة أو المذهب، والثالث في التدين والاستخفاف بالدين.
أما رأي الناس واحترامه أو إهماله فيقول فيه: "ترك المبالاة بكلام الناس، والمبالاة بكلام الخالق عز وجل هو العقل كله، والراحة كلها، من قرر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. ومن حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمته في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطهم بمدحهم إياه، لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه سرى فيه العجب، فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فسره فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فربما كان سبباً في تجنبه ما يعاب عليه وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص، وإن كان بباطل فصبر اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر، وكان مع ذلك غانماً، لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها، ولا تكلفها، وهذا حظ رفيع لا يزهد فيه إلا مجنون. وأما إن لم يبلغه مدح الناس إياه فكلامهم وسكوتهم سواء، وليس كذلك ذمهم، لأنه غانم للأجر على كل حال، بلغه ذمهم، أو لم يبلغه. ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء الحسن: ذلك عاجل بشرى المؤمن لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق))(١).
هذا كلام ابن حزم في عدم المبالاة بالمدح والذم، وتراه يدعو إلى عدم الالتفات إلى مدح الناس وذمهم، ولمض المؤمن فيما يراه الحق، والأقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كلامه في ذلك هو ذوب تجاربه، فهو الذي
(١) الرسالة ص ٨.
(م١١ - ابن حزم)
161