Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
Your recent searches will show up here
Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
ثم يتخذ ذلك مقياساً للخير والشر، وذلك أن علماء الأخلاق قديماً وحديثاً يشترطون في الضابط الذي يصلح مقياساً خلقياً للخير والشر أن يكون ذلك المقياس عاماً، ولا يكون خاصاً لأنه ميزان، والميزان لكي يكون مضبوطاً محكماً يجب أن يكون صالحاً لوزن قيم الأفعال كلها، لا وزن قيمة بعضها، لأن الأحكام الخلقية عامة تشمل كل أفعال الإنسان، فما من عمل يعمله الإنسان إلا يكون للأخلاق عليه حكم إما بالخير وإما بالشر.
٢٠٢ - وهنا قد يقول قائل إنه قد قال مرة إن ضابط الفضيلة هو الوسط بين الإفراط والتفريط، أو كما قيل كل فضيلة وسط بين رذيلتين، وبذلك أخذ ينظر أرسطو، ومرة أخرى قال إن أصول الفضائل أربعة، وبذلك اتجه إلى نظر أفلاطون. ثم يقرر أن المقياس الضابط للفضيلة هو المنفعة، وبحصر المنفعة في المنفعة المعنوية، ثم يحصرها في دفع الهم، ثم ينتهي في النهاية إلى أن الطريق الموصلة لدفع الهموم هو الاتجاه إلى الله أفليس هذا اضطراباً في القول.
وإن لذلك القول موضعه إذا كان ابن حزم يعتبر كل هذه مقاييس خلقية ضابطة، فإن ذلك قد يوهم أنه نقل أقوال الفلاسفة، ولم يهضمها، فخلطها بعضها ببعض، ولكن ابن حزم في الحقيقة لم يكن فيما كتب يقرر أقوال الفلاسفة، بل كان يتقصى بنفسه مستعيناً في تقصيه بأقوال أولئك الفلاسفة الذين تصدوا لهذا النوع من التفكير، وجد أن الأمر الذي يصح أن يكون مقياساً خلقياً مستقيماً هو دفع الهم، أو إن شئت فقل المنفعة السلبية بدفع الألم المعنوي، ولكن الأمرين الآخرين، وهما الوسط وحصر الأصول في أربعة وجدهما عمليين في جملهما من حيث إن الأول يؤيده الإحصاء تقريباً، والثاني يمكن أن يكون تقسيماً حاصراً.
وهو في الجملة لم يكن في هذه الرسالة متقيداً بالاصطلاحات العلمية في هذا العلم، بل يقرر معلومات يراها صادقة من حيث العقل والفكر، ومن حيث العمل والاستقراء، فذكر ما ذكر من غير تقييد بقول القائل، ولا يخرج عن غرضه أو منهاجه.
160