159

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

والطالع على السفى له، فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز وجل)) (١).

٢٠٠ - وبهذا نرى ابن حزم ينتهى فى مقياسه الذى وضعه للفضيلة إلى مقياس مكون من جزأين أولهما - الأمر الذى يطلبه جميع الناس، ويعد غاية لهم وهو دفع الهم ، والثانى الطريق الموصلة إليه هو التوجه إلى الله، فالنتيجة أن المقياس المعلم للفضيلة هو طلب ما عند الله تعالى.

ولا شك أن الجزء الأول ، وهو دفع الهم له صلة وثيقة بمذهب المنفعة الذى قرره أبيقور الفيلسوف اليونانى المتوفى سنة ٢٧٠ قبل الميلاد، فإنه يرى أن مقياس الخير والشر والمنفعة ، فإن كان الفعل فيه منفعة لمن يباشره ، فهو خير ، وإن كان فيه ألم فهو شر ، ثم يترقى فى المنافع حتى يعتبر المنافع المعنوية المقياس ، فجلبها خير ودفعها شر، ثم يرتقى بالآلام ، فيعتبر الآلام المعنوية فدفعها خير ، وجلبها شر ، ولا شك أن دفع الهم يعتبر من المنافع المعنوية ، إذ الهم من الآلام النفسية ، وهو شر ، فدفعه خير.

ولكن ابن حزم الفيلسوف المسلم لا يسير طويلا مع الفيلسوف اليونانى ، حتى يفارقه ويسمو إلى الإسلام . فيرى أن السبيل الجوهرى لدفع الهم ، وهو شر الآلام - هو الاتجاه إلى الله تعالى، فإنه إذا اتجه الشخص إلى اللّه تعالى زالت عنه الهموم.

وإن الفضائل كلها لا تستحق اسمها إلا إذا كان جانب اللّه تعالى واضحاً فى اتجاهها.

ويسير ابن حزم فى تحليل الفضائل على ذلك النحو ، ويتجه بها ذلك الاتجاه ، ثم يحلل النفوس ويبين الرذائل ، وطرق معالجتها بتقريبها من ذلك المقياس وهو الهم ، وطلب ما عند الله تعالى.

٢٠١ - وهنا يجب أن نشير إلى أن ابن حزم كان عالماً خلقياً عندما أخذ يستقرى ، وينتهى به الاستقراء الى أن الناس جميعاً غرضهم دفع الهم،

(١) الرسالة المذكورة ص ٥ - ٧.

159