158

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

١٩٩ - وبعد ذلك ننظر نظرة في هذه الرسالة القيمة تشير إلى عظيم ما اشتملت عليه.

لم يتكلم ابن حزم في الفضائل كلاماً منثوراً، بل ابتدأ بذكر مقياس للفضيلة، وقد اختار أن يكون المقياس هو - دفع الهم - أي دفع الآلام النفسية، أو إن شئت فقل إنه اختار أن يكون مطلب الحياة هو اللذة المعنوية، فاللذة المعنوية أو دفع الهم كما عبر هي مقياس الخير أو مطلب الحياة. ولذا يقول:

((لذة العاقل بتمييزه، ولذة العالم بعلمه، ولذة الحكيم بحكمته، ولذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده، أعظم من لذة الآكل بأكله، والشارب بشربه، والكاسب بكسبه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره.

ثم يسترسل فيقول في حكم استخلصه بعد الاستقراء والتتبع:

"تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهم، فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم ومراداتهم لا يتحركون أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم، فمن موجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقل، فطرد الهم مذهب قد اتفقت عليه الأمم كلها منذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء، ويعقبه عالم الحساب على ألا يعتمدوا لسعيهم شيئاً سواه، وكل فرض غيره. ففي الناس من لا يستحسنه، إذ في الناس من لا دين له فلا يعمل للآخرة، وفي الناس من لا يريد المال. وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم، ولا يريد طرحه عن نفسه، فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله لفكري هذا الكنز العظيم، بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان، الجاهل منهم والعالم، والصالح

158