157

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

١٩٧ - ونخلص من هذا إلى أن ابن حزم وجد معيناً فيما قرره فلاسفة اليونان والفرس، وما قرره حكماء المسلمين كالحسن البصرى، فاستقى منه فى رسالته وإن لم تفن فيه شخصيته. ولقد جاء فى الرسالة ما يدل على استعانته، وفوق ذلك فقد صرح ببعض أسماء هؤلاء الخلقيين فقال: «كشف العلوم الناقصة يزيد العقل جودة وتصفية من كل آفة، وتهلك ذا العقل الضعيف، ومن الغوص على الجنون ما لو غاصه صاحبه على العقل لكان أحكم من الحسن البصرى وأفلاطون الأثينى، وبزرجمهر الفارسى»(١).

فإن هذا النص يدل على أنه قد كان بين يديه وهو يكتب هذه الرسالة الخلقية ما أثر عن الحسن البصرى من مواعظ، وما ترك أفلاطون اليونانى وبزرجمهر، وإذا كانت آثار هؤلاء بين يديه، فلا بد أنه قبس منها.

١٩٨ - والمعين الثانى الذى استقى منه هذه الرسالة هى تجاربه، ولذا قال فى أول الرسالة: «إنى جمعت فى كتابى هذا معانى كثيرة، أفاد فيها واهب التمييز تعالى بمرور الأيام وتعاقب الأحوال. بما منحنى عز وجل من العلم بتصاريف الزمان، والإشراف على أحواله، حتى أنفقت فى ذلك أكثر عمرى، وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له، والفكرة فيه على جميع اللذات التى تميل إليها أكثر النفوس، وعلى الازدياد من فضول المال، وزممت كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب، لينفع الله به من يشاء من عباده، ممن يصل إليه ما اتبعت فيه نفسى، وأجهدتها فيه، وأطلت فيه فكرى، فيأخذه عفواً، وأهديه إليه هنيئاً، فيكون ذلك أفضل من كنوز المال وعقد الإملاك، إذا تدبره ويسره الله تعالى لاستعماله، وأنا راج فى ذلك من الله أعظم الأجر لنيتى فى نفع عباده، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم ومداواة علل نفوسهم، وبالله أستعين».

وإن هذا النص يدل على أنه اعتمد على الاستقراء والتجربة وعلى ما آتاه الله من فطنة وقوة إحساس، وصدق فراسة، وقدرة على ضبط الجزئيات فى معان كلية وقضايا عامة منظم السلوك الكامل.

(١) الرسالة المذكورة ص ١٣.

157