Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
Your recent searches will show up here
Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
هذا أمر مقرر، ولكن ابن حزم في رسالته مداواة النفوس كان اعتماده على مجرد العقل حاسباً أن العقل والمعرفة والتهذيب والعلم التام بالمقياس الخلقي الضابط، وأصول الفضائل المقررة وطرق علاج النفس بالنفس والأخذ بقوانين السلوك الفاضلة، كل هذا قد يهدي المرء للتي هي أقوم، ولذلك يوصي من ليس عنده هذه القدرة العقلية والعلاجية بأن يتبع الأوامر الدينية، ويعتمد عليها وحدها فيقول في تلك الرسالة القيمة: من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يحتوي على جميع الفضائل (١).
١٩٦ - ولكن ابن حزم لا يقرر المبادئ الخلقية معتمداً فقط على العقل والتجربة متخلياً عن الأصول الدينية، بل إنه يؤيد أحكام العقل بالنصوص الدينية فيسوق القضايا العقلية والتجريبية، ثم يردفها بما يزكيها من القرآن فيما يقصه من قصص ويسوقه من عبر، أو فيما جاء به القرآن أو السنة من أوامر، فمثلاً عند الكلام على فضل العقل في إدراك الفضائل، وأن الرذائل لا تقع إلا عن غفوة من العقل المستدرك المستقيم يستشهد على ذلك بقول أقوام من الكفار يوم القيامة لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير، وبتصديق الله لهم في ذلك واعتبار عدم استعمالهم العقل هو ذنبهم الأكبر، إذ قال سبحانه فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير (٢) وإنه كما يستعين بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية لتأييد حكم العقل يستعين أيضاً بالعقل لتأييد حكم الشرع في الأخلاق والفضائل.
بل إنه ينتهي تلك النهاية بأن حد العقل هو استعمال الطاعات والفضائل، ولا يسمى ما عند أهل المعاصي من تدبير محكم في سياسة الدنيا، وتدبير المعايش وأحكام الأعمال الدنيوية عقلاً بل يسمى هذا دهاء أو حزماً أو رزانة، أما العقل فهو أسمى من ذلك، فهو الخضوع للحق بعد إدراكه مع سياسة الدنيا لتكون مزرعة الآخرة.
(١) مداواة النفوس ص ٦٦.
(٢) الرسالة المذكورة ص ٤٠.
156