155

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

((الفضيلة وسيطة بين الإفراط والتفريط ، فكلا الطرفين مذموم، والفضيلة بينهما » (١) ثم يستثنى من ذلك إفراط العقل في التقدير والاحتياط، فلا يعتبره مذموماً فيقول « حاشا العقل، فإنه لا إفراط فيه، الخطأ في الحزم خير من الخطأ في التصنيع ».

وليس هذا فقط: بل إنه يرجع أحياناً أصول الفضائل إلى أربعة كما فعل أفلاطون، وإن اختلف عنه في بعضها فيقول:

« أصول الفضائل أربعة، عنها تتركب كل فضيلة وهي العدل والفهم والنجدة والجود، وأصول الرذائل كلها أربعة، عنها تتركب كل رذيلة، وهي أضداد الذي ذكرنا، وهي الجور، والجهل والجبن والشح. والعفة والأمانة نوعان من أنواع العدل والجود... » (٢) ثم يسترسل في رد كل فضيلة من الفضائل المعروفة كالحلم والصبر إلى هذه الأصول الأربعة ».

١٩٥ - ولا شك أن هذا يدل على اطلاعه على ما كتبه فلاسفة اليونان في الأخلاق، وربما لا تكون حكايته لأقوالهم دقيقة، ولكن تلك النقول تدل في الجملة على أنه اطلع على تلك الأقوال وقيس منها، ولكنه كعادته في كل ما مارس وأخذ يتخير ما يدرس ويتمثله في ذات نفسه، ثم يخرجه، وقد أضفى عليه بشخصيته، فلا يمكن أن يكون حاكياً، ولكنه هاضم يبسط شخصه في قوله، ولا يكون مردداً لأقوال غيره.

ولا شك أن اعتماده على الفكر اليوناني جعله يدرس الأخلاق دراسة عقلية تجريبية، ولم يدرسها دراسة دينية خالصة، نعم إن الأخلاق الفاضلة قد دعت إليها الأديان السماوية عامة، ودعا إليها الإسلام خاصة، فالإسلام يقرر أن خير الناس أحسنهم أخلاقاً، ويقول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم: « إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فسعوهم بحسن أخلاقكم » ويقول عليه السلام أيضاً: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ».

(١) الرسالة المذكورة ص ٤٢.

(٢) مداواة النفوس ص ٦٦.

155