154

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

حجمهما صغيراً فدلالتهما على عقل الكاتب وبلوغه الذروة في الدراسة والبحث قوية وكبيرةٌ.

رسالة الأخلاق:

١٩٣ - هذه الرسالة الصغيرة الحجم، أثرت عنه، ولا ندري في أي وقت كتبها، ولكن يظهر أنه كتبها في آخر حياته، أو على الأقل بعد أن نضج واكتهل، وذاق حلو الحياة ومرها، ولم يكتبها في صدر حياته، أو في شبابه.

ويظهر للقارئ الرسالة أنه اعتمد في دراستها على المقررات العلمية في الأخلاق التي كانت موروثة عن اليونان وترجمت فيما ترجم إلى العربية، ولا يخلو من سرد للأخلاق العملية التي كانت معروفة عند الفرس والهند وأشرقت بها النفس الشرقية، كالذي تجده في كتاب (كليلة ودمنة)، وفي كتابي الأدب الصغير والأدب الكبير لعبد الله بن المقفع، الذي كانت كتاباته في الأخلاق خلاصة الفكر الفارسي الآخذ من الفكر الهندي، فإن قارئ الرسالة يجد ذلك التأثر واضحاً كل الوضوح.

ولكن لم يعتمد على ذلك فقط، بل اعتمد على الاستقراء والتتبع لأخلاق الناس الذين عاشرهم واتصل بهم، وتغلغل في تعرف أعماق نفوسهم؛ وجرب وخبر، وذلك كله لا يكون في سن الشباب.

١٩٤ - وعلى ذلك نقول إن الرسالة قد استمدت عناصرها عن ينبوعين صافيين (أولهما) الدراسات الفلسفية المبنية على العقل. (والثاني) تجاربه الخاصة المبنية على الاستقراء.

وإن العنصر الأول واضح في الرسالة من أنه اعتمد في بعضها في المقياس الخلقي الفضيلة والرذيلة على الضابط الذي وضعه أرسطو، وهو أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، فترى ابن حزم يصرح بذلك في عبارة دقيقة فيقول :

154