153

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

واستقرى أحوالها حالا حالا ، ثم يضع الدواء على الداء ، ويطلب من رب العالمين الشفاء ، فابن حزم كان في هذه الدراسة مستقرياً متتبعاً ، ورابطاً بعقله بين الأجزاء المتناثرة ، ومكوناً منها حكماً خلقياً ودواء نفسياً.

وإن هذه المناهج العقلية كان أيضاً يتبعها أحياناً في مناقشة مخالفيه من الفرق المختلفة إذا كانت هذه الفرق تعتمد على العقل في مناقشتها ودراساتها : كالمعتزلة وتلاميذهم والأشاعرة والماتريدية . فإن الأولين كان منهاجهم عقلياً خالصاً ، وإن تقيدوا بالكتاب والسنة القطعية وما علم من الدين بالضرورة ، والأشاعرة وإخوانهم خاضوا مع أساتذتهم المعتزلة في البراهين العقلية ليؤيدوا ما جاء به الكتاب والسنة الصحيحة ، لا فرق في ذلك بين ما ثبت من السنة بالتواتر ، وما ثبت بطريق الأحاد .

وإذا كان ابن حزم قد خالف الفريقين ، فلا بد أن يبطل حججهما من طريق العقل ، ما دامت تسلك طريق العقل في جدلها ، ليحاربها بسلاحها .

دراساته الخلقية والنفسية

١٩٢ - هذا منهاج ابن حزم العقلي التدريبي ، وقد بنى دراسته في الأخلاق والنفوس على ذلك المنهاج الاستقرائي التجريبي ، فتتكلم فيه عقب ذلك المنهاج ، ولتؤجل القول في منهاجه الإسلامي :

لقد عنى ابن حزم بناحية لم يعن بها غيره من الفقهاء: إن استثنينا الغزالي من بعده وهي الدراسات الخلقية والنفسية، فقد ترك لنا رسالتين (إحداهما) في الدراسات الخلقية المبنية على دراسة أحوال الناس في أخلاقهم ، وطرق إصلاح الفاسد وهي رسالة الأخلاق والسير ، أو مداواة النفوس كما عبر بعض الناشرين، أو حكم ابن حزم، كما عبر ناشر آخر ، (والرسالة الثانية ) التي عنى فيها أيضاً الدراسة النفسية، وهي طوق الحمامة، وإنه من الواجب أن نخصر كل واحدة من الرسالتين بكلمة ، فإنه إذا لم يكن لابن حزم سوى هاتين الرسالتين لارتفع بهما إلى الذروة الأولى بين العلماء ، وإن كان

153